الصفحة 432 من 3036

"هب أنك في سفينة أو في دار ومعك تسعة أشخاص أبرياء ومجرم واحد، ورأيت من يحاول إغراق السفينة، أو هدم الدار عليكم فلا مراء - في هذه الحالة - ستصرخ بأعلى صوتك محتجًا على ما يرتكبه من ظلم قبيح، إذ ليس هناك قانون يسوغ إغراق سفينة برمتها تضم مجرمين طالما فيها برئ واحد". (1)

فلا شك أن في محاولة إغراق سفينة، أو تدمير بيت، لمعاقبة مجرم واحد، أو الانتقام منه، جريمة وجور لا يقبله عقل ولا تقره شريعة، فوق كونه استهتارًا بالغًا بقيمة الحياة الإنسانية، ومنه خلص النورسي للقول:

"فكما أن هذا ظلم شنيع وغدر فاضح، كذلك انطواؤك على عداء وحقد مع المؤمن الذي هو بناء رباني وسفينة إلهية لمجرد صفة مجرمة فيه، تستاء منها أو تتضرر بها. مع أنه يتحلى بتسع صفات بريئة، بل بعشرين منها كالإيمان والإسلام والجوار الخ، فهذا العداء والحقد يسوقك حتمًا إلى الرغبة ضمنًا في إغراق سفينة وجوده، أو حرق كيانه، وما هذا إلا ظلم شنيع وغدر فاضح". (2)

فلا يعقل إذن أن يحمل المؤمن لأخيه عداوة وغضب لوجود عيب أو نقص في مسلكه، قد يجره إلى إيذائه وإهلاكه، متجاهلًا وجود حسنات كثيرة فيه، فيكون حاله في الظلم وعدم الوفاء بحقوق أخوة الإيمان كَمَنْ يحاول إغراق السفينة، وتقويض البيت من أركانه لوجود مجرم فيه، دون مراعاة لقيمة الحياة الإنسانية في حد ذاتها.

الصلح

يعتقد النورسي أنه لا حل لمعظم الخلافات والخصومات الناشبة بين الأهل والأقارب والمعارف إلا بالصلح والمصالحة بين الطرفين المتعادين، وهو سلم أمر به القرآن، ودعا إليه الحق، وفيه مصلحة للطرفين، وتقتضيه الإنسانية، ويحث عليه الرسول عليه السلام.

وأوضح النورسي تلك الضرورة الملحة للسلم والمسالمة من خلال المثال التالي:

(1) المكتوبات - النورسي ص 340

(2) المكتوبات - النورسي ص 340

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت