الصفحة 433 من 3036

"إن أحدًا قد قتل شقيق شخص آخر أو أحد أقربائه، فهذا القتل الناجم من لذة غرور الانتقام التي لا تستغرق دقيقة واحدة تورثه مقاساة ملايين الدقائق من ضيق القلب وآلام السجن، وفي الوقت نفسه يظل أقرباء المقتول في قلق دائم وتحيّن الفرص لأخذ الثأر، كلما فكروا بالقاتل ورأوا ذويه، فتضيع منهم لذة العمر ومتعة الحياة، بما يكابدون من عذاب الخوف والقلق والحقد والغضب". (1)

إن الفعل الذي تأثر به في واقع الأمر شخص واحد هو المقتول، تتسع دائرة تأثيره لشناعته، فيتأذى منه أهل القاتل والقتيل على السواء، ولا راحة ولا اطمئنان ولا سلام ولا سكينة، إلا في الصلح الذي تدعو إليه الحقيقة، وتحث عليه مصلحة الجميع، فيقول النورسي في بيانه الأمرين معًا:

"لأن الأجل واحد لا يتغير، فذلك المقتول على كل حال ما كان سيظل على قيد الحياة ما دام أجله قد جاء، أما ذلك القاتل فقد أصبح وسيلة لذلك القضاء الإلهي، فإن لم يحل بينهما الصلح، فسيظلان يعانيان الخوف وعذاب الانتقام مدة مديدة، فإن لم يكن ذلك القتل قد نجم من عداء أصيل ومن حق دفين، وكان أحد المنافقين سببًا في إشعال الفتنة، فيلزم الصلح فورًا، لأنه لولا الصلح لعظمت تلك المصيبة الجزئية ودامت، بينما إذا تصالح الطرفان، وتاب القاتل عن ذنبه، واستمر على الدعاء للمقتول، فإن الطرفين يكسبان الكثير، حيث يدب الحب والتآلف بينهما، فيصفح هذا عن عدوه، ويعفو عنه واجدًا أمامه أخوة أتقياء أبرارًا بدلًا من شقيق واحد راحل، ويستسلمان معًا لقضاء اللّه وقدره". (2)

فالنورسي يرى أن ضرورة الصلح نابعة من حقيقة إيمانية كبرى وهي أن من قتل إنما قتل بأجله، والتسليم بها كاف لأن يستل من قلوب الجميع كل عداء قد يتولد بينهم. بل قد ينقلبوا أحبة وأخوة يسود بينهم السلام والوئام، بدلًا عن الحقد والكراهية.

أخلاق النورسي

(1) الكلمات - النورسي ص 169

(2) الكلمات - النورسي ص 170،169

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت