فهرس الكتاب
فالجامع يضم ثلاثة أصناف من الناس، أولهما أهل الخير والصلاح، وهم يحتلون صحنه، ويقف على بابه الصنف الثاني من الشباب الموصوفين بقلة الحياء وسوء الأدب والغوغائية، وعلى النوافذ يجلس الصنف الثالث وهم الأغراب الذين قدموا حبًا للعبث وترويحًا عن النفس.
فلو فرض أن دخل رجل واتجه مباشرة للجماعة الخيرة، واشترك معهم فيما يفعلونه، فلا شك أن اجتماعهم به سيكسبه أجرًا عظيمًا، ولكن عمله هذا لا يعجب الشباب، ولا الأجانب الأغيار.
ولو فرض أيضًا أن الرجل نفسه دخل المسجد، وبدأ يغنى غناءًا فاضحًا، ثم اتبعه بالرقص الخليع والصياح المجنون، فإن عمله بلا شك سيسر له أولئك الشباب العابثون، ويكون مدعاة للاستهزاء من الأجانب الأغيار، في حين يستصغره أهل الخير ويستخفون به.
وفسر النورسي المثل بقوله:
"وعلى غرار هذا: فإن العالم الإسلامي، وقارة آسيا جامع عظيم ومن فيه من المؤمنين وأهل الحقيقة هم الجماعة الفاضلة في ذلك الجامع، وأولئك الصبيان الوقحون هم أولئك المتزلفون ذوو العقول الصبيانية، وأما أولئك المفسدون والسفهاء فهم الملحدون المتفرنجون الذين لا يعرفون دينًا ولا ملة، أما الأجانب المتفرجون، فهم الصحفيون الذين ينشرون أفكار الأجانب."
فكل المسلمين لاسيما من ذوي الفضل والكمال، لهم موقع في هذا الجامع المهيب، كل حسب درجته، وتلفت إليه الأنظار حسب موقعه، فإن صدرت منه أعمال وتصرفات تنم عن الإخلاص - الذي هو أساس الإسلام - وابتغاء رضى اللّه، على وفق ما أمر به القرآن العظيم من أحكام وحقائق، ونطق لسان حاله بالآيات القرآنية معنىً عندئذ يدخل ضمن الدعاء الذي يدعوه كل فرد من أفراد العالم الإسلامي وهو:
-اللّهم اغفر للمؤمنين والمؤمنات.
ويكسب حظًا منه، ويكون ذا علاقة قوية مع جميع المؤمنين، ولكن لا يبدو موقعه في نظر بعض أهل الضلالة ممن هم كالحيوانات المضرة، ولا تظهر مكانته لدى الحمقى الذين هم كالصبيان الملتحين.