فهرس الكتاب
"الاستقامة بين كفران النعمة والافتخار هو القول:"
"نعم أنني أصبحت جميلًا حقًا، ولكن الجمال لا يعود لي، وإنما إلى البدلة، بل الفضل يخص الذي ألبسنيها". (1)
يعني أن الخلاص والصلاح في الاعتدال والاستواء والتوسط بين الموقفين المتعارفين، الجحود والتبجح، فيقرّ معترفًا بالنعمة والإحسان إليه، على ألاّ يدعي لنفسه حظًا فيها، وألاّ ينسب شيئًا ليس له، بل للواهب المعطى.
حب الجاه
يميل كل إنسان بطبعه إلى احتلال منزلة عالية ورفيعة المستوى، بين أقرانه وفي أعين الناس، وربما انساق بدافع الحرص على الشهرة وذيوع الصيت إلى إصدار كثير من المعاني الخيرة في نفسه، هذا إذا لم تدفعه دفعًا للوقوع في المهالك.
والصورة التالية هي خير مثال لما يفعله حب الجاه في النفوس، قال فيه النورسي:
"هب أن جامع آيا صوفيا، مكتظ بأهل الفضل والكمال من الطيبين الموقرين، وكان في الباب أو في الأروقة صبيان وقحون وسفهاء سفلة، وكان على الشبابيك سياح أجانب مغرمون باللّهو واللعب."
فإذا دخل أحد الجامع وأنضم إلى تلك الجماعة الفاضلة، وتلا آيات من الذكر الحكيم، فعندئذ تتوجه أنظار ألوف من أهل العلم والفضل إليه ويكسبونه ثوابًا عظيمًا بدعائهم له ورضاهم عنه، إلاّ أن هذا لا يروق لأولئك الصبيان الوقحين والملحدين السفهاء والأجانب المعدودين.
ولكن لو دخل الرجل الجامع والجماعة الفاضلة وبدأ بالغناء الماجن، وشرع بالرقص والصخب، فسيكون موضع إعجاب وسرور أولئك الصبيان السفهاء. ويلاطف عمله أولئك الغواة، ويجلب له ابتسامات ساخرة من الأجانب الذين يسرون برؤية نقائص المسلمين، بينما تنظر إليه تلك الجماعة الغفيرة الفاضلة في الجامع نظرة تحقير وإهانة، ويرونه في أدنى الدركات، وفي اسفل سافلين". (2) "
(1) المكتوبات - النورسي ص 477
(2) المكتوبات - النورسي ص 533