الصفحة 438 من 3036

فعلى الرغم من أن المجتمع المسلم يشكل أمة واحدة متحدة في كل شيء، إلا أن سنة الحياة اقتضت تقسيمها إلى كيانات اجتماعية متفرقة، وجماعات كثيرة مستقلة بنفسها، وذلك بقصد معرفة كل منهم للآخر، لتتقوى بينهم أخوة الإيمان، ووحدة الإسلام، ولإشاعة روح التعاون فيما بينهم. ولتشتد به عرى المحبة، وذلك لأن في جهلهم لبعضهم البعض، وفي عدم تعاونهم، يسود التخاصم والعداء.

كفران النعمة

إذا أنعم اللّه تعالى على عبده بنعمة، وأبدى إزاءها من ضروب التواضع حد الإنكار وعدم الاعتراف، فقد جحدها وكفر بها، كما أن التحدث بها متفاخرًا ومتباهيًا أمام الناس، هو أيضًا في حكم الجحود والكفران، وكلاهما فيه من الضرر والأذى الشيء الكثير، ولا سبيل إلى الخلاص منهما، إلا باتباع نصيحة النورسي التي جاء فيها،

"الإقرار بالمزايا والفضائل دون ادعاء تملكها، أي إظهارها أنها آثار إنعام المنعم الحقيقي جل وعلا". (1)

أي الاعتراف بالنعمة وإثبات كونها فضلًا وإحسانًا من عند اللّه، ولكن دون نسبتها لنفسه على جهة الملك والملكية، ثم مثل لها بقوله:

"إذا ألبسك أحدهم بدلة فاخرة جميلة، وأصبحت بها جميلًا وأنيقًا، فقال لك الناس، ما أجملك، لقد أصبحت رائعًا بها، وأجبتهم متواضعًا: كلا من أنا، أنا لست شيئًا، أين الجمال من هذه البدلة، فإن جوابك هذا كفران بالنعمة بلا شك، وسوء أدب تجاه الصانع الماهر الذي ألبسك البدلة، وكذلك إن قلت لهم مفتخرًا: نعم أنني جميل فعلًا، فأين مثلي في الجمال والأناقة، فعندها يكون جوابك فخرًا وغرورًا". (2)

ومن المثل يتبين أَنَّ خطأَ من يتواضع إلى من أحسن إليه إلى حد الإنكار الصريح وعدم الاعتراف بالجميل، لا يختلف عن خطأ من يتباهى بما أحسن إليه إلى حد التبجح الفارغ والمخرج الوحيد من هذين الضارين هو الذي ارتأه النورسي في قوله:

(1) المكتوبات - النورسي ص 477

(2) المكتوبات - النورسي ص 477

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت