الصفحة 454 من 3036

يعني أن عدم صلاح الشيء وخروجه عن حد الانتفاع به يختلف باختلاف نفاسته وقيمته العالية، أو قلة وهبوط قيمته، وزهد الناس فيه، ففساد اللبن لا يخرج عناصره عن حد الاعتدال إلا خروجًا ضئيلًا في نوعيته، فيمكن الانتفاع به. أما إذا بلغ خروجه عن حد الاعتدال، وأقصى درجات الخروج كمًا ونوعًا، كالدهن، فلا يمكن الانتفاع به، بل قد يسبب استعماله الأذى والهلاك.

وإذا فسد الإنسان. فإن فساده ينزل منزلة فساد الشيء الثمين والنفيس الذي لا تقدر قيمته ولا فضله. فيقول عنه النورسي:

"وهكذا الإنسان الذي هو أكرم المخلوقات. بل ذروتها وقيمتها، إذا فسد فإنه يكون أفسد وأحط من الحيوان الفاسد نفسه، فيكون كالحشرات التي تأنس بالعفونة وتريحها الروائح الكريهة، وكالحيات التي تلتذ بلدغ الآخرين. بل يتباهى بتلذذه بالأخلاق الدنيئة النابتة في مستنقع الضلالة، ويستمرئ الأضرار والجرائم الناجمة في ظلمات الظلم، فيكون إذن قرينًا للشيطان ومتقمصًا لماهيته". (1)

وكما يفهم من عبارة النورسي أن الإنسان هو أكرم مخلوق وأفضل موجود، بشرط أن يراعي ما به صار إنسانًا، وأن يجتهد لإكمال المعنى الذي من أجله خلق وأوجد، فمن صرف همته كلها لعبادة اللّه وذكره، فسوف يترقى في مدارج السمو والكمال درجة درجة، حتى يلتحق بعالم الملائكة، ويوصف بالإنسان الرباني.

أما إذا عطل ذلك المعنى فيه، وأعرض عن العبادة وعن ذكر اللّه. واتبع شهواته، فسوف ينحدر هابطًا في دركات سحيقة من الفساد الخلقي وتلحقه بِمَنْ هُمْ دونه في الكرم والفضل والشرف. كالبهائم مثلًا، إلى أن يبلغ أقصى درجات السقوط فيجمع أسوأ ما في عالم الحيوان، فيصبح هو والشيطان صنوان وشقيقان لا يفرق بينهما إلا الهيكل الخارجي.

ارتفاع الإنسان وسقوطه

(1) اللمعات - النورسي ص 126

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت