الصفحة 453 من 3036

"فيا أيها الإنسان، إن قلبك وهويتك وماهيتك مرآة، وما في فطرتك من حب البقاء ليس لأجلها، بل لأجل ما فيها من تجل لاسم الباقي ذي الجلال، الذي يتجلى فيها حسب استعداد كل إنسان، ولكن صُرف وجه تلك المحبة إلى جهة أخرى نتيجة البلاهة، فما دام الأمر هكذا فقل: يا باقي أنت الباقي، فإذ أنت موجود وباق فليفعل الفناء بنا ما يشاء فلا نبالي بما نلاقي". (1)

إن المحبة الشديدة التي يكنها الإنسان للبقاء ليست من أجل المحبة نفسها، بل لأن محبة البقاء هي واحدة من مقتضيات وتجليات اسم الباقي على قلب الإنسان، ولكن على قدر قابليته وتهيؤه لاستقبال أنوار الاسم، عندئذ يتيقن ألاّ باقي ولا موجود غير اللّه، أما الفناء والزوال وسائر صور العدم واللاوجود فهي عرض زائل لا بقاء ولا دوام.

فساد الإنسان

خلق اللّه تعالى كل مخلوق لعمل محدد ومهمة معينة، واقترن شرفه وعلو منزلته بين الموجودات باكتمال ذلك المعنى فيه، وخساسته وسقوط مكانته بانعدامه فيه. مثل الحصان الذي خلق للعدو، وكالسيف للقتال، فإذا لم يؤديا وظيفتهما على وجهها الأتم اعتبرا ناقصين، فأما أن يلقى بهما جانبًا، أو يردا إلى منزلة هي دونهما في المرتبة والمقام. فالحصان إذا لم يصلح للعدو والسباق اتخذ كالحمار لنقل الأحمال. والسيف إذا لم يصلح للقتال أتخذ كالسكين والمنشار للقطع.

وكذلك الحال مع الإنسان، فإن شرفه وفضله وعلو منزلته بين الخلق تعود إلى اكتمال معنى العبد والخليفة فيه، وخساسته ودناءته في عجزه عن القيام بهما. عندئذ تكون البهيمة خير منه. وبين النورسي أنواع الفساد بقوله:

"من المعلوم أنه إذا فسد الشيء الثمين يكون فساده أشد من فساد الشيء الرخيص، كما هو في فساد اللبن أو الحليب، حيث يمكن أن يؤكلا، أما إذا فسد الدهن فلا يمكن أكله، إذ قد يكون كالسم". (2)

(1) اللمعات - النورسي ص 206

(2) اللمعات - النورسي ص 126

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت