فهرس الكتاب
فالإنسان من تكوينه الظاهري والباطني يشبه ذلك القصر، فهو مكون من عناصر روحية المنشأ والمصدر، وفي غاية من السمو والشفافية، ومن عناصر مادية غاية في اللطافة والرقة، جعلته يرتبط بعلاقات واسعة ومتشعبة مع مخلوقات العالم المختلفة، وبعلاقات خاصة مع نفسه جعلت رغباته ومحبوباته وآماله لا حدود لها.
حب البقاء
إن يقين الإنسان المتأصل في نفسه بموته في كل وقت وحين، وحتمية مفارقته لأهله وأحبته، يدفعه للتشبث بأي شكل من أشكال البقاء. وتلك نزعة طبيعية متأصلة هي الأخرى في كيانه، ولكن هناك من لا يعرف كيف يستغلها ويوجهها التوجيه الذي يحقق له فعلًا البقاء. وعن أولئك تحدث النورسي قائلًا:
"هناك بعض الحمقى يتوجه بحبه إلى المرآة إذا ما رأى الشمس فيها. وذلك لعدم معرفته الشمس نفسها، فيحافظ على المرآة بحرص شديد لاستبقاء الشمس. ولكيلا تضيع ولكن إذا تفطن أن الشمس لا تموت بموت المرآة، ولا تفنى بانكسارها توجه بمحبته كله إلى الشمس التي في السماء، وعندئذ يعلم أن الشمس التي تشاهد في المرآة ليست تابعة للمرآة، ولا يتوقف بقاؤها ببقاء المرآة. بل أن بقاء حيوية المرآة وتلألأها إنما هو ببقاء تجليات الشمس ومقابلتها لها فبقاء المرآة تابع لبقاء الشمس". (1)
والمعنى أن من الناس من بلغ به ضعف العقل وفساد الرأي والجهل حدًا يدفعه للاعتقاد بأن صورة الشمس المنعكسة على المرآة هي الشمس. ووجودها في المرآة مرهون بوجودها في السماء. فيقصر حبه كله على الصورة في المرآة، لا على الشمس نفسها، وإذا فهم طبيعة العلاقة بينهما، وأيًا منهما الأصل وأيهما الفرع، ومن منهما يملك أهلية البقاء، وأيهما الزائل، عندئذ تتغير نظرته، فيتجه مباشرة صوب الباقي الذي لا يزول، ومن ثم يمنحه حبه كله، أما الفاني الزائل فلا محل له في قلبه.
بعد ذلك خاطب النورسي ذلك الإنسان العاشق للبقاء قائلًا:
(1) اللمعات - النورسي ص 206