الصفحة 459 من 3036

يرى النورسي في محاولات تعبير الرؤى المنامية الشائعة بين الناس عملًا ليس سهلًا ولا مقبولًا، ولا هو متاح إلا لمن أوتى من العلم وصفاء العقل وجودة القريحة ما لم يؤتَ لغيره، وذلك لأن التعبير فيه نفاذ من ظاهر الرؤيا إلى باطنها، والانتقال بها من وجه إلى آخر، فيه من التناقض والتعارض الذي لا يقبله العقل الشيء الكثير، ولتبسيط تلك الحقيقة روى النورسي له المثل التالي:

"اصطحب راعيان من أهل القلب والصلاح، فحلبا من غنمهما اللبن ووضعاه في إناء خشبي، ووضعا الناي القصبي فوق حافتي الصحن، ثم شعر أحدهما بالنعاس، وما فتئ أن غلبه النوم، فنام واستغرق في نومه."

أما الثاني فقد ظل مستيقظًا يرقب صاحبه، وإذا به يرى وكأن شيئًا صغيرًا - كالذبابة - يخرج من أنف صاحبه النائم، ثم يمرق سريعًا ويقف وعلى حافة الإناء ناظرًا في اللبن، ثم يدخل من فوهة الناي من أحد طرفيه ويخرج من فوهة الطرف الأخر، ثم يمضي ويدخل في ثقب صغير تحت شجيرة مشوكة كانت بالقرب من المكان.

ثم يعود ذلك الشيء بعد مدة ويمضي في الناي أيضًا ويخرج من الطرف الآخر منه، ثم يأتي إلى ذلك النائم، ويدخل في أنفه، وهنا يستيقظ النائم من نومه، ويصحو قائلًا لصديقه:

لقد رأيت يا صديقي في غفوتى هذه رؤيا عجيبة.

فيقول له صديقه.

اللّهم أرنا خيرًا واسمعنا خيرًا، قل يا صديقي ماذا رأيت؟

فرد عليه:

رأيت - وأنا نائم - بحرًا من لبن، وقد مد عليه جسر عجيب، وكان الجسر مسقفًا، ولسقفه نوافذ، مررت من ذلك الجسر، ورأيت في نهاية الطرف الثاني منه غابة كثيفة ذات أشجار مدببة، وبينما أنا أنظر إليها متعجبًا رأيت كهفًا تحت الأشجار، فسرعان ما دخلت فيه، رأيت كنزًا عظيمًا من ذهب خالص - فقل يا صديقي، ما ترى في رؤياي هذه، وكيف تعبرها لي.

أجابه صديقه الصاحي:

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت