فهرس الكتاب
والمعنى أن الحضارة الغربية بفكرها ومذاهبها الفلسفية، وبكل منجزاتها المادية قد أحالت حياة الناس إلى عذاب مقيم، أما إنسانها فقد انحلت أخلاقه، وفقد قيمه الروحية، فانحدر إلى ما دون الحيوان في السلوك، ولما اجتهد علماؤها ومصلحوها باحثين عن حل لتجنب الكارثة المحدقة بالجميع، وجدوه في الفتور والاسترخاء، أي بالتخلص من هموم الدنيا وآلامها بالانهماك في المتع المادية، جاهلين أو متجاهلين أن فيها الموت البطيء.
أما الطريق الثاني الذي فيه هداية للبشرية، وإنقاذ الناس من تلك الحضارة المنحدرة إلى الهاوية، فهو طريق الإسلام والقرآن، وذلك لأن السالك فيه يرى وكما يصفه النورسي:
"في كل منزل من منازل هذا الطريق، وفي كل موضع من مواضعه، وفي كل مدينة تقع عليه، جنود مطيعون أمناء لسلطان عادل، يتجولون في كل جهة ينتشرون في كل ناحية، وبين فينة وأخرى يأتي قسم من مأموري ذلك الملك العادل وموظفيه، فيعفي بعض أولئك الجنود من وظائفهم بأمر السلطان نفسه. ويتسلم منهم أسلحتهم ودوابهم ومعداتهم الخاصة بالدولة ويسلم إليهم بطاقة الإعفاء. وهؤلاء، المعفون يبتهجون ويفرحون - من زاوية الحقيقة - على إعفائهم فرحًا عظيمًا لرجوعهم إلى السلطان. وعودتهم إلى دار قرار سلطنته، والمثول بزيارته الكريمة، مع أنهم يحزنون في ظاهر الأمر على ما أُخذ منهم من دابة ومعدات ألغوها."
ونرى أيضًا أنه قد يلتقي أولئك المأمورون من لا يعرفهم من الجنود فعندما يخاطبونه:
-أنْ سلم سلاحك.
يرد عليهم الجندي:
أَنا جندي لدى السلطان، وتحت إمرته وفي خدمته، وإليه مصيري ومرجعي، فمن أنتم حتى تسلبوا مني ما وهبني السلطان العظيم؟ فإن كنتم قد جئتم بإذنه ورضاه، فعلى العين والرأس، فأروني أمره الكريم، وإلا تخلوا عني، فلأقاتلنكم ولو كنت وحدي وأنتم ألوف، إذ لا أقاتل لنفسي لأنها ليست لي، بل أقاتل حفاظًا على أمانة مالكي ومولاي وصيانة لعزته وعظمته، فأنا لا أرضخ لكم