فهرس الكتاب
وعلى طول الطريق الثاني، وطوال مدة السفرة كلها نرى سَوقًا إلى الجندية، يتم في فرح وابتهاج وسرور، تلك هي التي تسمى بالمواليد، وهناك إعفاءات ورخص من الجندية، تتم في فرح وحبور أيضًا، وسط تهليل وتكبير، تلك التي تسمى بالوفيات" (1) "
فإذا كان الطريق الأول مجازًا عن الحياة في الغرب، فإن الطريق الثاني مجاز عن الحياة في ظل الإسلام، حيث إن كل فرد فيها عبد للّه، عامل بأوامره وتجنبه عن نواهيه، وذلك طوال حياته الدنيوية، فإذا آن أوان انتهاء فترة عبوديته، فإنه يغادر هذه الحياة، وكأنه جندي أعفى من الخدمة، فينتقل إلى دار أخرى يحظى فيها بالكرم الإلهي.
على أن أهم ما في هذه الحياة أن المؤمن فيها يدافع عن إيمانه بكل ما أُوتي من قوة، فإذا أراد أحد سلبه منه فإنه يقاتل في سبيله، ولا يسمح له بأن يزعزعه عنه، بل يموت في سبيله ودونه راضيًا مرضيًا عنه.
وعلى العكس تمامًا من الحياة في الغرب، فإن كل مولود يولد في عالم الإسلام هو بمثابة عبد للّه ومكلَّف، فيستقبل بكل سرور، ويودع حين وفاته بمثل ما استقبل به، لأنه في طريقه إلى الجنة وضيافة الرحمن.
الفصل الثامن
الدنيا
حقيقة الدنيا
قسم النورسي حياته الدنيوية إلى مرحلتين:
استمرت الأولى حتى عام 1926، وفيها سمى نفسه بسعيد القديم حيث كان خلالها منغمسًا في هموم الدنيا، وغارقًا في مشكلاتها المعقدة، وقضاياها المتجددة.
والثانية بدأت من عام 1926وانتهت بنهاية عمره، وأطلق على نفسه فيها اسم سعيد الجديد، وفيها كرس حياته للدفاع والحفاظ على الإيمان.
وعندما أراد أن يكشف للناس عن حقيقة الدنيا ومآلها، رجع إلى المرحلة الأولى من حياته فمثل لها مستفيدًا من تجربته وخبرته المعيشة بالحكاية الخيالية التالية:
(1) اللمعات - النورسي ص 179،178