فهرس الكتاب
وذلك القطار هو الزمن، وكل عام بمنزلة عربة منه، وذلك النفق هو الحياة الدنيا، وتلك الأزهار والثمار الشائكة هي اللذات غير المشروعة واللّهو المحظور، حيث إن الألم الناشئ من تصور زوالها يدمي القلب ويجرح النفس، فيقاسي الإنسان من توقع فراقها مرارة العذاب، وأن معنى ما قاله الخادم في القطار، أعطني خمسة قروش أعطك أحسن ما تحتاجه هو: أن اللذات والأذواق التي يحصل عليها الإنسان عن طريق السعي الحلال ضمن الدائرة المشروعة كافية لسعادته وهنائه وراحته. فلا يدع مجالًا للدخول في الحرام، ويمكنك أن تفسر ما بقي". (1) "
والباقي يمكن تفسيره على النحو الآتي:
فنهاية النفق هي خاتمة الحياة، أي الموت، والنوافذ والثغور الكثيرة هي القبور التي يقذف فيها الناس كرهًا وبلا اختيار منهم، والثغر أو الحفرة التي رآها مواجهة له هي قبره مكتوب عليه اسمه. أما مضمون كلام الرجل فيمثل نهاية لمرحلة طويلة من عمره، وبداية لمرحلة جديدة أخرى من حياته.
ومقصود النورسي من تلك الحكاية هو أن الدنيا قد تتراءى لمحبيها وعشاقها كحقيقة ثابتة وراسخة لا تتغير ولا تقبل التغير، ولكن عوامل زوالها وفنائها كامنة في مكوناتها الوجودية، بل يعد عدمها جزءًا لا يتجزأ من مفهوم وجودها، وعلى رأسها انتقالها الدائم وتبدلها المستمر، وتغيرها من حال إلى حال بلا توقف أو انقطاع.
الدين والدنيا
في مثل يعد الأطول من أمثلة وحكايات رسائل النور الرمزية، تحدث فيه النورسي عن الدين وأثره في حياة الإنسان وأهميته في سلوكه اليومي، وعن طبيعة الدنيا الزائلة، وكيف أن الدنيا بلا دين تتحول إلى سجن كبير يتعذب فيه الناس بلا نهاية منظورة لعذابهم.
بدأ النورسي هذا المثل أو هذه الحكاية الطويلة بمقدمة جاء فيها:
"كان شقيقان في قديم الزمان يذهبان معًا إلى سياحة طويلة فواصلا سيرهما سوية إلى أن وصلا إلى مفرق طريقين، فرأيا رجلًا وقورًا فسألاه:"
(1) الكلمات - النورسي ص 369