فهرس الكتاب
ثم نشأ من الشوق إلى التعرف إلى محبة صاحب الطلسم، وَنمَّتْ تلك المحبةُ رغبةً في حَلِّ الطلسم. ومن تلك الرغبة انبعثت رغبة اتخاذ وضع جميل وحالة مقبولة لدى صاحب الطلسم حسب ما يحبه ويرضاه.
ثم نظر أعلى الشجرة فرأى أنها شجرة تين، غير أن في نهاية أغصانها آلاف الأنواع من الأثمار والفواكه، وعندها ذهب خوفه وزال نهائيًا، لأنه علم قطعًا بأن شجرة التين هذه إنما هي فهرس ومعرض، حيث قلد الحاكم الخفي نماذج ما في بستانه وجناته بشكل معجز عليها وزيّنها بها، إشارة لما أعده من أطعمة ولذائذ لضيوفه، وإلا فإن شجرة واحدة لن تعطي أثمار آلاف الأشجار، فلم ير أمامه إلا الدعاء والتضرع، فالح متوسلًا بانكسار إلى أن ألهم مفتاح الطلسم فهتف قائلًا:
يا حاكم هذه الديار والآفاق التجئ إليك وأتوسل وأتضرع، فأنا لك خادم، أريد رضاك وأنا أطلبك وأبحث عنك.
فأنشق جدار البئر فجأة بعد هذا الدعاء عن باب يفتح إلى بستان فاخر طاهر جميل، وربما أنقلب فم ذلك الثعبان إلى ذلك الباب واتخذ كل من الأسد والثعبان صورة الخادم وهيأته، فأخذا يدعوانه إلى البستان، حتى إن ذلك الأسد تقمص شكل حصان مسخر بين يديه". (1) "
وبما أن الوقائع على ما بينها من تشابه في منتهى التناقض، فقد عقد النورسي موازنة ومقارنة بين تفكير وتصرف كل من الأخوين قائلًا:
"إن المسافر الشقي إلى جهة الشمال معرّض في كل آن إلى أَنْ يلج في فم الثعبان، فهو يرتجف خوفًا وهلعًا، بينما هذا السعيد يدعى إلى بستان أنيق مثمر بفواكه شتى، وأن قلب ذلك الشقي يتمزق في خوف عظيم ورعب أليم، بينما هذا السعيد يرى غرائب الأشياء وينظر إليها بعبرة حلوة وخوف لذيذ ومعرفة محبوبة."
(1) الكلمات - النورسي ص 33،34