الصفحة 472 من 3036

أما هذا الآخر فعملًا بقاعدة: انظر إلى الأحسن في كل شيء، فقد أهمل الجيف ولم يلتفت إليها مطلقًا، بل استفاد مما في البستان من الأشجار والفواكه، وبعدما استراح فيه الراحة التامة مضى إلى سبيله.

ودخل هو أيضًا كأخيه في صحراء عظيمة ومفازة واسعة، وفجأة سمع صوت أسد يهجم عليه، فخاف إلا أنه دون خوف أخيه، حيث فكر بحسن ظنه وجمال تفكيره قائلًا:

لا بد أن لهذه الصحراء حاكمًا، فهذا الأسد إذن يحتمل أن يكون خادمًا أمينًا تحت أمرته.

فوجد في ذلك اطمئنانًا، غير أنه فر كذلك حتى وصل وجهًا لوجه إلى بئر معطلة بعمق ستين ذراعًا فألقى نفسه فيها وأمسك كأخيه بشجرة في منتصف الطريق من البئر، وبقى معلقًا بها، فرأى حيوانين أثنين يقطعان جذري تلك الشجرة رويدًا رويدًا، فنظر إلى الأعلى فرأى الأسد، ونظر إلى الأسفل فرأى ثعبانًا ضخمًا، ونظر إلى نفسه فوجدها كأخيه تمامًا في وضع عجيب غريب، فدهش من الأمر هو كذلك، إلا أنه دون دهشة أخيه بألف مرة، لما منحه اللّه من حسن الخلق وحسن التفكير والفكر الجميل الذي لا يريه إلا الجهة الجميلة من الأشياء، ولهذا السبب فكر هكذا:

إن هذه الأمور العجيبة ذات علاقات مترابطة بعضها ببعض، وأنها لتظهر كأن آمرًا واحدًا يحركها، فلابد إذن أن يكون في هذه الأعمال المحيرة سر مغلق، وطلسم غير مكشوف. أجل إن كل هذا يرجع إلى أوامر حاكم خاص، فأنا إذن لست وحيدًا، بل ذلك الحاكم الخفي ينظر إلىّ ويرعاني ويختبرني، ولحكمة مقصودة يسوقني إلى مكان ويدعونني إليه.

فنشأ لديه من هذا التفكير الجميل والخوف اللذيذ شوق أثار هذا السؤال:

من يكون يا ترى هذا الذي يجرّبني ويريد أن يعرّفني نفسه؟ ومن هذا الذي يسوقني في هذا الطريق العجيب إلى غاية هادفة؟

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت