الصفحة 471 من 3036

وعلى الرغم من غرابة المشاهد التي مرت بالأخ الثاني، وبعدها عن المألوف، بل وشذوذها في أحيان كثيرة، إلا أنه لتبلد عقله وجمود مشاعره وأحاسيسه لم يقف عندها متأملًا ومفكرًا. فعلق النورسي على مسلكه قائلًا:

"لم يكن هذا الرجل ليفهم - لسوء إدراكه وحماقته - بأن هذا الأمر ليس اعتياديًا، ولا يمكن أن تأتي كل هذه الأشياء مصادفة، ومن دون قصد، ولم يكن يفهم أن في هذه الشئون العجيبة أسرارًا غريبة، وأن هناك وراء كل ذلك من يدبر هذه الأمور ويسيرها". (1)

وختم النورسي روايته عنه بما يؤكد فعلًا قلة عقله وسوء اختياره، قائلًا.

"فبينما يبكي قلب هذا الرجل، وتصرخ روحه، ويحار عقله من أوضاعه الأليمة، إذا بنفسه الأمارة بالسوء أخذت تلتهم فواكه تلك الشجرة، متجاهلة عما حولها، وكأن شيئًا لم يحدث، سادة أذنيها عن صرخات القلب وهواتف الروح، خادعة نفسها بنفسها، رغم أن قسمًا من تلك الفواكه كانت مسمومة ومضرة". (2)

بعد ذلك مباشرة قص النورسي الوقائع التي شهدها الأخ الأول، قائلًا:

"فهذا الرجل المبارك ذو العقل الرشيد، ما يزال يقطع الطريق دون أن يعاني الضيق كأخيه، ذلك لأنه لا يفكر إلا في الأشياء الجميلة - لما له من جمال الخلق- ولا يأخذ بعنان الخيال إلا بما هو جميل ولطيف، لذا كان يستأنس بنفسه ولا يلاقي الصعوبة والمشقة كأخيه، ذلك لأنه يعرف النظام، ويعمل بمقتضى الولاء والاتباع، فيرى الأمور تسهل له، ويمضي حرًا منطلقًا بالأمان والاستقرار."

وهكذا مضى حتى وجد بستانًا فيه أزهار جميلة وفواكه لطيفة مع ثمة جثث حيوانات وأشياء منتنة ومبعثرة هنا وهناك بسبب إهمال النظافة، كان أخوه الشقي قد دخل - من قبل - في هذا البستان أيضًا، غير أنه انشغل بمشاهدة الجيف الميتة وإنعام النظر فيها مما أشعره بالغثيان والدوار فغادره دون أن يأخذ قسطًا من الراحة لمواصلة السير.

(1) الكلمات - النورسي ص 32

(2) الكلمات - النورسي ص 32

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت