الصفحة 482 من 3036

أن ساكني هذا الفندق هم ضيوف مسافرون، وأن ربهم الكريم يدعوهم إلى دار السلام.

أن التزيينات في هذه الدنيا ليست لأجل التلذذ والتمتع فحسب، إذ لو أذاقتك اللذة ساعة، أذاقتك الآلام بفراقها ساعات وساعات. فهي تذيقك مثيرة شهيتك دون أن تشبعك لقصر عمرها أو لقصر عمرك. إذن فهذه الزينة الغالية الثمن والقصيرة العمر هي للعبرة وللشكر، وللحض على الوصول إلى تناول أصولها الدائمة، ولغايات أخرى سامية.

إن هذه الزينة في الدنيا بمثابة صور ونماذج للنعم المدخرة لدى الرحمة الإلهية في الجنة للمؤمنين.

إن هذه المصنوعات الفانية ليست للفناء، ولم تخلق لتشاهد حينًا ثم تذهب هباء، وإنما اجتمعت هنا وأخذت مكانها المطلوب لفترة قصيرة كي تلتقط صورها وتفهم معانيها وتدون نتائجها، ولتنسج لأهل الخلود مناظر أبدية دائمة، ولتكون مدارًا لغاية أخرى في عالم البقاء.

إن الإنسان لم يترك حبله على غاربه، ولم يترك طليقًا ليرتع أينما يريد، بل تسجل جميع أعماله وتلتقط صورها، وتدون جميع أفعاله ليحاسب عليها.

أن الموت والاندثار الذي يصيب في الخريف مخلوقات الربيع والصيف الجميلة ليس فناء نهائيًا، وإنما هو إعفاء من وظائفها بعد إكمالها وإيفائها. وتسريح منها، وهو إفساح مجال وتخلية مكان لما سيأتي في الربيع الجديد.

إن الصانع السرمدي لهذا العالم الفاني له عالم غير هذا، وهو عالم باق خالد، ويشوّق عباده إليه ويسوقهم.

إن الرحمن الرحيم سوف يكرم في ذلك العالم الفسيح عباده المخلصين بما لا عين رأت ولا أذن سمعت ولا خطر على قلب بشر". (1) "

ومن الواضح أن القواعد التسع تنصب مجتمعة في معنى واحد وهو أن الدنيا بما فيها من مخلوقات لم تخلق للعدم أو اللاوجود، بل للوجود واستمرار الوجود إلى ما لا نهاية، والمثل التالي يصور وبتركيز شديد ذلك المعنى، يقول فيه النورسي:

(1) الكلمات - النورسي ص 81،78

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت