فهرس الكتاب
بيد أن أولئك الضيوف لا يتفرجون إلا على أقل القليل من تلك التزيينات، ولا يذوقون إلا أقل القليل من تلك النعم، حيث لا يلبثون إلا قليلًا، ومن ثم يغادرون الفندق دون أن يرتووا ويشبعوا، سوى ما يلتقطون من صور أشياء في الفندق بما يملكون من آلة تصوير، وكذلك يفعل عمال صاحب الفندق وخدامه حيث يلتقطون حركات هؤلاء النزلاء وسكناتهم بكل دقة وأمانة ويسجلونها.
فها أنت ترى أن الملك يهدم يوميًا أغلب تلك التزيينات النفيسة مجددًا إياها بأخرى جديدة للضيوف الجدد، أفبعد هذا يبقى لديك شك في أنَّ مَنْ بنى هذا الفندق على قارعة هذا الطريق، يملك قصورًا دائمة عالية، وله خزائن زاخرة ثمينة لا تنفد، وهو ذو سخاء دائم لا ينقطع، وأن ما يبديه من الكرم في هذا الفندق هو لإثارة شهية ضيوفه إلى ما عنده من أشياء ولتنبيه رغباتهم وتحريكها لما أعد لهم من هدايا". (1) "
فالملك العظيم صاحب الفندق الكبير مجاز عن اللّه تعالى، والفندق الكبير هو الدنيا التي أعدها اللّه وهيأها بكل ما يدخل البهجة والسرور في نفوس عباده، ولكنهم لا يتمتعون فيها إلا بالقدر اليسير من متعها وأفراحها، ثم يتركونها لغيرهم دون أن يحفظوا في ذاكرتهم منها إلا عددًا محدودًا من الذكريات، أما عمال الفندق وخدامه وهم الملائكة فلا يتركون شاردة ولا واردة مما فعلوه إلا وأحصوها لهم، ودونوها في كتبهم.
وهنا يقفز سؤال: هل هناك شك في أن من خلق هذه الدنيا ألا يخلق عالمًا أخر أروع وأبهج وأجمل وأعظم منه:
إن الإجابة البديهية بالإيجاب هي التي أدت بالنورسي إلى تقرير حقيقة واحدة مفادها أن أبسط مقارنة بين الحياتين تقود مباشرة إلى الخروج بتسع قواعد تظهر في مجموعها ذلك الترابط الدقيق بينهما، وهي:
"أن هذه الدنيا الشبيهة بذلك الفندق ليست لذاتها، وإنما هي دار ضيافة تملأ وتفرغ، ومنزل حل وترحال، أنشئت بحكمة لقافلة الموجودات والمخلوقات."
(1) الكلمات - النورسي ص 78،77