الصفحة 480 من 3036

فإن أحيينا دنيانا، ثم شاهدنا أنها زائلة فانية لا قرار لها كحياتنا - لأنها مبنية فوقها - وشعرنا بهذا الزوال وأدركناه، عندئذ تتحول محبتنا نحوها إلى محبة نقوش الأسماء الإلهية الحسنى التي تمثلها دنيانا الخاصة، المرآة لها، ومنها تنتقل المحبة إلى محبة تجليات الأسماء الحسنى". (1) "

وكما يفهم من تفسير النورسي فهناك دنيا عامة وشاملة، هي الأصل لما سواها من الدنى، ودنيا خاصة بكل إنسان على حدة هي الحياة، وتشبه الصورة في المثال. وتعد لخصوصيتها الشديدة مفتاحها ومدخلها، ليس هذا فحسب، بل أن هذه الدنيا تشبه الورقة البيضاء، والحياة كالقلم الذي تكتب به الأعمال.

فإذا أحب المرء دنياه الخاصة، أي الحياة. ثم تكشفت له عيوبها، عندها يتجه بتلك المحبة بدلًا من دنياه الخاصة إلى حب أسماء اللّه الحسنى المنعكسة عليها. ثم يقفز قفزة كبرى فيحب تجليات تلك الأسماء وظهورها على الوجود الخارجي، أي الدنيا العامة.

فناء الدنيا وبقاء الآخرة

إن نظام الدنيا وعمادها وهلاك أمرها كله يقوم معنى ومبنى على التغير والتبديل، في كل وقت وحين وبلا توقف أو انقطاع، حتى عدت مقولة: دوام الحال من المحال.

غير أن وراء هذا التبدل والتغيير، وخلف ذلك الزوال السريع، عالم آخر، نظامه وعماد أمره يقوم لا أقول على الثبات والسكون بل على الديمومة واللانهائية، مما يؤكد أن تلك الحياة لم تخلق في الأصل للزوال والفناء، وإلا لكان خلقها في حكم العبث الذي لا قصد فيه ولا إرادة، بل أعدت لحياة أخرى أبدية لا نهاية لها، وسرمدية دائمة لا زوال فيها.

وللتدليل على صحة ذلك الاقتران القوى والتلازم البين بين الحياتين، مثل لهما النورسي بهذا المثال:

"هب أنك تسير في طريق، وتشاهد أن عليها فندقًا ضخمًا، بناه ملك عظيم لضيوفه، وهو ينفق مبالغ طائلة لتزيينه وتجميله كي يدخل البهجة في قلوب ضيوفه، ويعتبروا بما يرون."

(1) الكلمات - النورسي ص 13

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت