الصفحة 484 من 3036

فكل مكتوب إذن قد يكون من حروف كثيرة جدًا ومتفرقة، صفت بنظام خاص وترتيب معين به يخرج إلى الوجود، مكتملًا في شكله المعهود، وكاشفًا عن محتواه العلمي، ويمكن منه استنساخ نماذج عديدة، ثم تتبدل بعد ذلك الحروف لتستغل في مكتوب آخر، وهكذا دواليك.

وهذا ينطبق على كل مخلوقات اللّه. يقول النورسي:

"فإن قلم القدر الإلهي يعطي هذه الموجودات الأرضية ولا سيما النباتية منها. ترتيبًا معينًا ووضعًا معينًا، والقدرة الإلهية توجدها في صحيفة موسم الربيع، فتعبر عن معانيها الجميلة، وحيث إن صورها وهوياتها تنقل إلى سجل الغيب، كعالم المثال، فإن الحكمة تقتضي أن يتبدل ذلك الوضع. كي يكتب صحيفة جديدة للربيع المقبل لتعبر عن معانيها كذلك."

والمعنى أن اللّه تعالى قدر أزلًا وأبدًا إيجاد الأشياء وفقًا لنظام تناسبي مضطرد، تخرج به من العدم إلى الوجود، بحيث تكشف بوجودها الظاهري عن معناها وحقيقتها وغاية وجودها، ثم تفنى وتزول مادتها أو شكلها الظاهري، ويبقى مطويًا في عالم الغيب، ثم لتخرج من جديد من عالم الغيب إلى عالم الشهادة في صورتها ومعناها الأول، بلا تغيير أو تبديل لا في جوهرها ولا أعراضها.

المقدرة الحياتية

يحمل كل موجود في أصل تكوينه المادي وغير المادي قوة منها يستمد دوام وجوده، وعليها يتوقف استمراريته المتجددة في الوجود، بحيث يبقى بقاء لا فناء فيه. والمثال البارز لهذه الديمومة رواه النورسي بقوله:

"إن زهرة ما تذبل ثم ترحل من الوجود، إلا أنها تترك مئات من البذيرات في الوجود، وتدع ماهيتها في تلك البذيرات، فضلًا عن أنها تترك ألوفًا من صورها في ألواح محفوظة صغيرة، وفي القوى الحافظة التي هي نماذج مصغرة للألواح المحفوظة، فتستقرئ ذوى الشعور التسبيحات الربانية ونقوش الأسماء الحسنى التي أدتها في أطوار حياتها، وبعد ذلك ترحل عن الوجود". (1)

(1) المكتوبات - النورسي ص 379

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت