الصفحة 490 من 3036

إن رأي أهل السنة في مجمله ما هو إلا تقدير لحقيقة بديهية وهي أن كل الموجودات من خلق اللّه وآثاره وتجليات لأسمائه وصفاته، ويستحيل عقلًا وواقعًا أن يتحد الخالق بالمخلوق والواجد بالموجود، إذ لكل منهما ماهيته المستقلة عن الآخر، وللموجود المخلوق إِنَّية وذاتية متعينة في الخارج بها يعرف وعن طريقها يميز، أما كون وجوده آنيًا وزائلًا ويعقبه العدم. فإن كل هذه الأحكام لا تجرده من صفة الوجود، ولا من اسم الموجود.

وجود الروحانيات

إن وجود الملائكة والجن والشياطين وسائر الروحانيات من الأشياء المسلَّم بها من غير إعمال النظر، أما إنكار وجودها وعدم الاعتراف بها، فمن الأمور غير المعقولة، ولإثبات وجودها أورد النورسي المثل التالي:

"يتصادف اثنان أحدهما بدوي وآخر حضري، كانا يسيران معًا إلى مدينة عظيمة كاستانبول، وقبل دخولهما المدينة وفي زاوية من زواياها يصادفان مبنى صغيرًا وورشة قذرة، فيبصران أن المبنى مملوء برجال مساكين يعملون منهمكين في المعمل القريب، ويلاحظان حول المعمل حيوانات وأحياء أخرى أيضًا تقتات كلٌ بطريقتها الخاصة حسب شرائط حياتها. فمنها ما يأكل النبات وأخرى تأكل الأسماك فقط وهكذا."

وفيما هما يراقبان أحوال هؤلاء، إذا بهما يريان على بعد منها آلافًا من العمارات المزينة والقصور العالية تفصل بينها ميادين وفسح واسعة، إلا أن سكان تلك العمارات الرائعة لا يظهرون لهما. إما لبعدهما عنهم، أو لضعف نظرهما، أو لاختفاء سكنة تلك القصور أنفسهم. أو لانعدام شرائط الحياة التي في هذه الورشة القذرة في تلك القصور العالية.

فالبدوي الذي لم ير المدينة في حياته، قال:

إن تلك العمارات خالية من أهلها ولا أحد فيها من الأحياء، إذ إنني لا أراهم، وليس هناك ما يشير إلى حياةٍ، كحياتنا أصلًا.

فأظهر بهذيانه هذا حماقته الشديدة.

أجابه صديقه العاقل الرزين:

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت