الصفحة 491 من 3036

يا هذا أما ترى أن هذا المسكن البسيط الحقير مليء بالأحياء، وليس هناك شبر من فراغ حولنا لم يملأ بالأحياء العاملين، فهناك من يبدلهم ويجددهم دائمًا ويستخدمهم أبدًا". (1) "

فساكن البادية الجاهل، وساكن المدينة العالم، وقفا قبل دخولهما المدينة أمام حقيقتين:

الأولى: مبنى صغير الشأن، ومحل به جماعة من العمال منخرطين في عمل مرهق وشاق، ومن حولهم حيوانات ومخلوقات أخرى. وكل منها يأكل الطعام الذي يحفظ له حياته.

والثانية: مدينة كبيرة بها آلاف المباني والقصور والساحات الواسعة، إلا أنهما لم يشاهدا أحدًا من سكانها لاعتبارات كثيرة، بعضها يعود إلى عيوب فيهما، والبعض الآخر يعود للساكنين في تلك المدينة.

وبطبيعة الحال فالبدوي لا يقر لجهله بوجود سكان فيها. وذلك لحجة واهية وهي عدم رؤيته لهم، كاشفًا بذلك عن فساد عقله، فأشار إليه الحضري ملفتًا نظره إلى مقارنة بسيطة بين مبنى صغير الحجم كالذي شاهده بنفسه، كيف ضاق بمن فيه، وبين تلك المباني الكثيرة، متسائلًا، أيعقل أن تكون خالية من السكان، وإن لم يرهم هو.

أما رد النورسي عليه فجاء فيه:

"فانظر الآن هل من الممكن أن تكون تلك العمارات الرائعة المنتظمة والتزيينات الحكيمة والقصور الباذخة على بعدها عنا خالية من أهلها المتلائمين معها؟ إنها لا بد قد ملئت جميعًا بذوي أرواح لهم شرائط حياة أخرى خاصة بهم. فلربما يأكلون بدلًا من الأعشاب والأسماك شيئًا آخر، فإن عدم رؤيتهم لبعدهم أو لقصر النظر أو لاختفائهم، لا يقيم دليلًا أبدًا على عدم وجودهم، إذ إن عدم الرؤية لا يدل مطلقًا على عدم الوجود، وليس عدم الظهور بحجة قطعًا على عدم الوجود". (2)

وقياسًا على ذلك أكد النورسي على وجود الروحانيات التي لا يجادل فيها عاقل، فقال:

(1) الكلمات - النورسي ص 599،598

(2) الكلمات - النورسي ص 599

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت