فهرس الكتاب
وأثناء بحثه عن ذلك الباني، وجد دفترًا دون فيه المخطط التفصيلي لبناء القصر، والقوانين المنظمة له، وكيفية إدارته، كما اشتمل أيضًا على ما في القصر من أشياء، فهداه نظره الساذج من شدة تطابق المكتوب مع ما في القصر، إلى أن هذا الدفتر هو الذي بنى القصر على تلك الصورة الكاملة الجميلة.
وعلق النورسي على ما انتهى إليه ذلك الإنسان الساذج قائلًا:
"فكشف بهذا الكلام عن مدى عمق جهله، وتأصل حماقته". (1)
يعني أن كل من هو شاكلته ممن يعتقدون عن يقين جازم أن الطبيعة هي الخالقة لنفسها والموجدة للأشياء، هم بلا أدنى تردد جاهلون ليس جهلًا بسيطًا، بل جهلًا مركبًا. وذلك لسهولة تصديقهم بشيء هو على خلاف ما هو عليه فعلًا وواقعًا، أما قلة عقلهم وفساد تفكيرهم فمن الصفات الثابتة فيهم واللازمة لهم، وظهرت في أجلى صورها، وبارزة للعيان في إحلالهم الطبيعة محل اللّه في الخلق والإيجاد.
أما المثال الثاني فتشبيه ويتكون من مقطعين. قال في الأول:
"يدخل إنسان معزول عن عالم المدنية والحضارة، وسط معسكر مهيب، فيبهره ما يشاهد من تدريبات متنوعة يؤديها - بغاية الانتظام والإتقان ومنتهى الطاعة والانقياد - جنود هذا المعسكر، فيلاحظ حركاتهم المنسقة وكأنها حركة واحدة، يتحرك الجميع - فوجًا ولواء وفرقة - بحركة واحدة منهم، ويسكن الجميع بسكونه، يطلق الجميع النار إطلاقًا واحدًا، إثر أمر يصدره ذلك الفرد، فحار في أمره، ولم يكن عقله الساذج ليدرك أن قيادة قائد عظيم هو الذي ينفذ أوامره بأنظمة الدولة وأوامر السلطان. فتخيل حبلًا يربط أولئك الجنود بعضهم بالبعض الأخر، ثم بدأ يتأمل خيالًا، مدى أعجوبة هذا الحبل الموهوم، فزادت حيرته وأشتد ارتباكه ثم يمضي إلى شأنه". (2)
(1) اللمعات - النورسي ص 280
(2) اللمعات - النورسي ص 281