الصفحة 502 من 3036

فهنا إنسان بعيد عن أنظمة الحضارة ومؤسساتها القائمة على العلم والخبرة والتجارب، رأى ولأول مرة في حياته جيشًا في حالة من حالات الجيش المعروفة، فتحير في حركات الجند المنتظمة، وتقسيماتهم المختلفة وإطاعتهم لفرد واحد إلى غيرها من العلائم المميزة لأنظمة الجيوش، ولكن في حدود فهمه وإدراكه لم يصل عقله إلى افتراض قيادة موحدة وقائد واحد، فانتهى إلى وجود حبل ممتد طويل يربط كل جندي بالآخر وهو سبب لكل ذلك النظام.

وجاء في المقطع الثاني:

"ويدخل جامع آيا صوفيا العظيم بوم الجمعة، ويشاهد جموع المصلين خلف رجل واحد يمتثلون لندائه في قيامهم وقعودهم وسجودهم وركوعهم، ولما لم يكن يعرف شيئًا عن الشريعة الإلهية والدساتير المعنوية لأوامر صاحب الشريعة، فإنه يتصور بأن هذه الجماعة مرتبطة ببعضها البعض بحبال مادية، وأن هذه الحبال قد قيدت حركة الجماعة وأسرتهم، وهي التي تحركهم وتوقفهم عن الحركة". (1)

ورأى الرجل نفسه عند دخوله المسجد يوم الجمعة والإمام يصلى بالناس الانتظام في الحركة واتباع رجل واحد تمامًا كالذي رآه من قبل، ولما لم تكن لديه أي معرفة بالإسلام ونظام العبادات فيه، فقفزت إلى ذهنه صورة الحبل المتوهمة أو المتخيلة في ذهنه والتي هي سبب، وأصل لكل ما يصدر عنهم من الحركات.

فعلق عليه النورسي قائلًا:

"وهكذا يمضي إلى سبيله وقد امتلأ بأخطاء تصوراته التي تكاد تثير الهزء والسخرية حتى لدى أكثر الناس وحشية وهمجية". (2)

والمعنى أيضًا مشابه للمعنى السابق، فمن يعتقد أو يصدق بقدرة الطبيعة على الخلق والإيجاد يصبح مبعثًا لاستهزاء واحتقار وانتقاص ليس فقط من قبل عقلاء الناس. بل أيضًا من رعاعهم وأراذلهم، مما يدل على أن الاستخفاف بهم، والاستهانة بآرائهم يستوي فيه العالم والجاهل.

الأحمق الجاهل

(1) اللمعات - النورسي ص 282،281

(2) اللمعات - النورسي ص 282

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت