فهرس الكتاب
"فيا نفسي الباكية على ما ضحكت أيام شبابها، اعلمي، أن ذلك الجندي المسكين المتورط هو أنت، وهو الإنسان، وأن ذلك الأسد هو الأجل وأن أعواد المشنقة تلك هو الموت والزوال والفراق الذي تذوقه كل نفس، ألا ترين كيف يفارقنا كل حبيب أثر حبيب ويودعنا ليلًا ونهارًا، أما الجرحان العميقان فأحدهما العجز البشري المزعج الذي لا حد له. والآخر هو الفقر الإنساني المؤلم الذي لا نهاية له. أما ذلك النفي والسفر المديد، فهو رحلة الامتحان والابتلاء الطويلة لهذا الإنسان التي تنطلق من عالم الأرواح مارة من رحم الأم ومن الطفولة والصبا ثم من الشيخوخة، ومن الدنيا ثم من القبر والبرزخ، ومن الحشر والصراط، وأما الطلسمان فهما الإيمان باللّه وباليوم الآخر، أما ذانك العلاجان:"
فأحدهما التوكل على اللّه والتحلي بالصبر، أي الاستناد إلى قدرة الخالق الكريم والثقة بحكمته.
وثانيهما: هو الدعاء والسؤال، ثم القناعة بالعطاء والشكر عليه والثقة برحمة الرزاق الحكيم". (1) "
زاوج النورسي في تفسيره لوقائع تلك الحكاية بين الحياة والموت كعنصريين متلازمين، وكل منهما يكمل الآخر، ليبرز من خلال تلك المزاوجة الموت ضمن دائرة واسعة تجمع بين المؤمن وحياته الدنيوية بابتلاءتها الكثيرة، وتوجهه بالعبادة للّه، ثم موته ودفنه ونشوره، في صورة جميلة أخاذة، وذلك لأن به وعلى حد تعبير النورسي:
"يخرج الإنسان المؤمن من سجن الدنيا إلى روضة الجنان. إلى روضة الرحمن ذي الجلال، ومن هنا كان الكاملون من الناس يحبون الموت ويطلبونه، حيث رأوا حقيقته". (2)
وحقيقة الموت التي رآها أولئك الكمّل من العباد هي أنه تذكرة سفر تقود المؤمن في رحلة سريعة إلى الدار الآخرة. والمفتاح الوحيد للجنة وأبوابها.
الموت
(1) الكلمات - النورسي ص 29،28
(2) الكلمات - النورسي ص 28