فهرس الكتاب
قد يغفل كثير من الشباب وهم في أول عمرهم، وفي عنفوان قوتهم، وفي ذروة أفراحهم بنضارة الحياة وإشراقها عن كثير من حقائق الحياة وسننها الطبيعية، وفي مقدمتها الموت، الذي يشاهد كل حي مظاهر الخوف والرهبة منه في الوفيات الحادثة على مدار الساعة.
وفي زيارة لمجموعة من هؤلاء الشباب للنورسي بيّن لهم حقيقة الموت في مثال، قال فيه:
"تصوروا ههنا - مثلًا - أعوادًا نصبت أمامكم للمشنقة، وبجانبها دائرة توزع جوائز سخية كبرى للمحظوظين، ونحن الأشخاص العشرة هنا سنُدعي إلى هناك طوعًا أو كرهًا، ولكن لأن زمان الاستدعاء مخفي عنا، فنحن في كل دقيقة بانتظار من يقول لكل منا: تعال، تسلم قرار إعدامك واصعد المشنقة، أو يقول: تعال خذ بطاقة تربحك ملايين الليرات الذهبية". (1)
إن الصورة الخيالية والمفعمة بالحيوية التي رسمها النورسي في أذهان أولئك الشباب، مفادها أن مصير كل إنسان، ومنتهى أمره لا يخرج عن أحد اثنين، إما إلى سعادة دائمة أو شقاء مقيم، ولا ثالث لهما، أو بمعنى آخر، إما الحصول على مكاسب لا حصر لها، أو خسارة لا عوض لها، ولا تعويض فيها.
ثم روى النورسي بعد ذلك قائلًا:
"وبينا نحن واقفون منتظرون إذا بشخصين حضرا لدى الباب. أحدهما امرأة جميلة لعوب شبه عارية تحمل في يدها قطعة من الحلوى، تقدمها إلينا تبدو شهية، ولكنها مسمومة في حقيقتها."
أما الآخر فهو رجل وقور كيس - ليس خبًا ولا غرًا - دخل على أثر تلك المرأة، وقال:
لقد أتيتكم بطلسم عجيب، وجئتكم بدرس بليغ، إذا قرأتم الدرس، ولم تأكلوا من تلك الحلوى، تنجون من المشنقة، وتسلمون - بهذا الطلسم - بطاقة تلك الجائزة الثمينة، فها انتم أولاء ترون بأم أعينكم أن من يأكل تلك الحلوى يتلوى من آلام البطن حتى يصعد المشنقة". (2) "
(1) الكلمات - النورسي ص 161
(2) الكلمات - النورسي ص 162،161