فهرس الكتاب
وقبل أن يبرهن النورسي على إمكانية البعث، وسهولة ويسر القيامة والنشور، روى ثلاثة أمثلة متتالية لمجرد تنبيه الغافل عن غفلته وإيقافه على تلك الحقيقة البديهية، لا للعلم ولا للمعرفة، فقال متسائلًا:
"فيا ترى إن كان ثمة كاتب ذو خوارق يكتب ثلاثمائة ألف كتاب مسحت حروفها ومسخت، في صحيفة واحدة، دون اختلاط ولا سهو ولا نقص، وفي غاية الجمال، ويكتبها جميعًا معًا خلال ساعة، وقيل لك: إِن هذا الكاتب سيكتب من حفظه في دقيقة واحدة كتابك الذي وقع في الماء وهو تأليفه. فهل يمكنك أن ترد عليه وتقول: لا يستطيع لا أصدق؟"
أو أن سلطانًا ذا معجزات يرفع الجبال وينسفها، ويغير المدن بكاملها ويحول البحر برًا، بإشارة منه، إظهارًا لقدرته وجعلها آية للناس. فبينما ترى منه هذه الأعمال، إذا بصخرة عظيمة قد تدحرجت وسدت الطريق على ضيوفه، وقيل لك: أن هذا السلطان سيميط حتمًا تلك الصخرة من على الطريق ويحطمها مهما كانت كبيرة، حيث لا يمكن أن يدع ضيوفه في الطريق. كم يكون جوابك هذيانًا أو جنونًا إذا ما أجبته بقولك: لا، لا يستطيع أن يفعل.
أو أن قائدًا يمكنه أن يجمع من جديد أفراد جيشه الذي شكله بنفسه في يوم واحد، وقيل لك، إِن هذا سيجمع أفراد تلك الفرقة وسينضوي تحت لوائه أولئك الذين سرحوا وتفرقوا بنفخة من بوق، فأجبته: لا لا أصدق. عندها تفهم أن جوابك هذا ينبئ عن تصرف جنوني، أي جنون". (1) "
ولا شك في أن من تصدر عنه أعمال خارقة للعوائد، ومخالفة لسنن الكون. ومحطمة لنواميس الطبيعة، ومتجاوزة لكل مألوف في الحياة، لا يستبعد منه الإتيان بأي عمل ولو كان من المستحيلات المحيرة للعقول والمزعجة للنفوس، ومن لا يصدق بأعماله، ولا يعترف بأهليته واستعداده لأي فعل، فلا فرق بينه وبين المجنون في شيء.
(1) الكلمات - النورسي ص 86