فهرس الكتاب
"ذهب اثنان إلى مملكة رائعة الجمال كالجنة (التشبيه هنا للدنيا) وإذا بهما يريان أن أهلها قد تركوا بيوتهم وحوانيتهم ومحلاتهم مفتوحة لا يهتمون بحراستها، فالأموال والنقود في متناول الأيدي دون أن يحميها أحد، بدأ أحدهما - بما سولت له نفسه - يسرق حينًا ويغصب حينًا آخر مرتكبًا كل أنواع الظلم والسفاهة، والأهلون لا يبالون به كثيرًا". (1)
إن تفرد تلك المملكة وفرادتها يتمثل في شيوع الأمن والأمان وانتشاره الواسع بين قاطنيها. فلا خوف ولا قلق على شيء من متاعها، وأيضًا في تداول الأرزاق وتبادلها فيما بينهم بالعدل والإنصاف، وبلا ظلم ولا إجحاف لأحد منهم، ولما بدأ أحد هذين الرجلين بسرقة واغتصاب ما هو مشاع أصلًا، نفر منه صاحبه لخبثه وخساسة نفسه، أما الأهالي فلم يهتموا به أو يكترثوا له، فكأنه لا وجود له، عندها قال له صديقه:
"ويحك ماذا تفعل، إنك ستنال عقابك وستلقى في بلايا ومصائب، فهذه الأموال أموال الدولة، وهؤلاء الأهلون قد أصبحوا - بعوائلهم وأطفالهم - جنود الدولة أو موظفيها، ويستخدمون في هذه ببزّتهم المدنية، ولذلك لم يبالوا بك كثيرًا. اعلم أن النظام هنا صارم، فعيون السلطان ورقباؤه وهواتفه في كل مكان، أسرع يا صاحبي بالاعتذار، وبادر إلى التوسل". (2)
تضمنت كلمة ذلك الصديق من معاني التوجع عما فعله أكثر من معاني التعجب والترحم، ودارت حول حقيقة لا يغتر كثيرًا بمظاهر الشيوع السائدة في هذه الكلمة، فإن وراءه سلطة ونظامًا وقانونًا ورقابة دقيقة على كل حركة، أما الأهالي فهم العاملون فيها، ويتضح من عدم مبالاتهم به، وتجاهلهم لفعله أنهم لا يظهرون نسبتهم للدولة ولا انتماءهم لها. لاعتبارات في طبيعة أعمالهم، وإِنْ هو لم يبد اعتذاره على ما فعل، فعليه تحمل تبعات جريمته.
(1) الكلمات - النورسي ص 48
(2) الكلمات - النورسي ص 48