الصفحة 518 من 3036

"لا يمكن بوجه من الوجوه أن تكون لسلطان عظيم مملكة مؤقتة -كأنها دار ضيافة- ثم لا تكون له مملكة أخرى دائمة ومستقرة، ولائقة لأبهته وعظمته ومقام سلطنته السامية."

كذلك لا يمكن بوجه من الوجوه ألا ينشئ الخالق سبحانه عالمًا باقيًا بعد أن أوجد هذا العالم الفاني.

ولا يمكن أيضًا أن يخلق الصانع السرمدي هذه الكائنات البديعة الزائلة، ولا ينشئ كائنات أخرى دائمة ومستقرة.

ولا يمكن أيضًا أن يخلق الفاطر الحكيم القدير الرحيم هذا العالم الذي هو بحكم المعرض العام وميدان الامتحان والمزرعة الوقتية، ثم لا يخلق الدار الآخرة التي تكشف عن غاياته وتظهر أهدافه". (1) "

يعني أنه من غير المعقول ولا المقبول، ولا يتفق مع طبيعة الأشياء أن يخلق اللّه حياة دنيوية تضم مخلوقات جميلة الصنعة، وآية في الروعة والنظام، وعوالم غاية في الدقة والإعجاز ودالة على قدرته وعظمته، ومع ذلك فهي زائلة لا محالة، ولا يخلق ما يوازيها ويقابلها من حياة أخرى خالدة باقية، لا انتهاء لها ولا زوال فيها. وفيها يتجلى اللّه بأسمائه وصفاته.

الحياة الآخرة

زود اللّه تعالى الإنسان - كما هو معروف في العقيدة الإسلامية - بأدوات التمكين كالعقل والعلم والإرادة والقدرة وغيرها ليس فقط لنيل مكاسبه الدنيوية، بل لتعينه كي يحظى بحياة أخرى وعالم آخر، ومثل النورسي لهذا المقصد السامي بقوله:

"أعطى سيد خادمه عشرين ليرة ليشترى بها بدلة لنفسه، من قماش معين فراح الخادم واشتراها من أجود أنواع الأقمشة ولبسها، ثم أعطى السيد نفسه خادمًا آخر ألف ليرة، ولكن وضع في جيبه ورقة تعليمات وأرسله للتجارة."

فكل من يملك مسكة من العقل يدرك يقينًا أن هذا المبلغ ليس لشراء بدلة، إذ قد اشتراها الخادم الأول بعشرين ليرة.

(1) الكلمات - النورسي ص 64

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت