فهرس الكتاب
"يحدث أحيانًا أن دولًا متعددة ذات عواصم مختلفة، تشترك معًا في مملكة واحدة بسلطات متباينة من حيث مصالحها الاستعمارية فيها أو لوجود امتيازات خاصة بها، أو من حيث المعاملات التجارية وغيرها، فكل حكومة عندئذ ترتبط بعلاقة مع تلك الرعية من حيث امتيازاتها، على الرغم من أنها رعية واحدة وأمة واحدة، فإن معاملات تلك الحكومات المتباينة - والتي هي في غاية البعد - تتماس وتتقارب كل منها مع الأخرى في البيت الواحد، بل تشترك في كل إنسان". (1)
والمعنى مشابه لمعنى المثل الأول، فتلك الدول مختلفة العواصم ومتعددة المراكز الإدارية، ومتباينة الأهداف، ومتباعدة في المساحات، قد قربت بينها المنافع الدنيوية، قربًا ليس فقط زمانيًا ومكانيًا، بل أيضًا قربة نسب ورعاية، حتى وصلت وكما في تعبير النورسي حدود المشاركة في البيت الواحد. بل المشاركة في كل إنسان، أي أن المصالح جعلت من البعد المتناهي بين تلك الدول داخل منظومة واحدة قريبة من بعضها قربًا يمكن لمسه باليد الواحدة. وعلى ضوء هذين المثلين قال النورسي:
"إن مملكة السماء التي هي في غاية البعد، من حيث العاصمة والمركز، فإن لها هواتف معنوية تمتد منها إلى قلوب الناس في مملكة الأرض، فضلًا عن أن عالم السماوات لا يشرف على العالم الجسماني وحده، بل يتضمن عالم الأرواح وعالم الملكوت، لذا فعالم السماوات يحيط بجهة بعالم الشهادة تحت ستار". (2)
فمملكة السماء التي تتراءى لنا في اتساع مداها وطول مساحتها. أنه لا مجال للوصول إلى قلبها ونقطة ارتكازها، هي في حقيقة أمرها قريبة جدًا إلى القلوب والنفوس، وذلك عن طريق وسائل اتصال في منتهى اللطافة والشفافية والسرعة المتناهية، وذلك القرب الشديد ليس مقصورًا على الإنسان وحده، بل يمتد ليشمل كل العوالم التي تشارك الإنسان في الوجود، روحية كانت أم مادية.
(1) اللمعات - النورسي ص 451
(2) اللمعات - النورسي ص 452