الصفحة 539 من 3036

فالذبابة مثلًا كما يقول النورسي رغم صغرها بديعة الصنعة، تنطوي على أغلب مكونات الكائنات، وكأنها فهرس مختصر لها، فجسمها الصغير ذو علاقة مع أغلب عناصر الكائنات ومع مظاهرها وأسبابها المادية. بل هو خلاصة مستخلصة منها. فإن لم يسند إيجاده إلى القدرة الإلهية المطلقة يلزم أن تكون تلك الأسباب المادية حاضرة ومحتشدة جنب ذلك الجسم مباشرة عند إيجاده، بل يلزم أن تدخل في جسمه الضئيل، بل يجب دخولها في حجيرة منه، وهي تمثل نموذج الجسم، وذلك لأن الأسباب إن كانت مادية يلزم أن تكون قرب المسبب وداخلة فيه، وعندئذ يقتضي قبول دخول جميع العناصر في جميع أركان العالم مع طبائعها المتباينة في ذلك المسبب دخول ماديًا. وعملها في تلك الحجيرة المتناهية في الصغر بمهارة وإتقان. (1)

وعلى ذلك فإن لم يسند الخلق إلى الله تعالى، فإن خلق أصغر شيء عندئذ -كالذباب- يستلزم جمع جميع ما له علاقة بالذباب من أكثر أنواع العالم، جمعه بميزان خاص ودقيق جدًا، أي جمع كل ذلك في جسم الذباب، بل ينبغي أن تكون كل ذرة عاملة في جسم الذباب عالمة تمام العلم بسر خلق الذباب وحكمة وجوده، بل ينبغي أن تكون متقنة لروعة الصنعة التي فيها بدقائقها وتفاصيلها كافة". (2) "

ويقال الشيء نفسه على الهواء. فكل جزء منه من نسيم وريح وظائف لا تعد ولا تحصى. وفي غاية النظام ومن دون اختلاط أو تشابك أو التباس، كنقل المواد اللطيفة مثل الكهرباء والجاذبية والضوء. ويدخل إلى مداخل النباتات والحيوانات بالتنفس مؤديًا هناك مهماته الحياتية بإتقان.

(1) - اللمعات- النورسي ص 271

(2) - المصدر السابق ص 369

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت