الصفحة 541 من 3036

فإذا لم تسند هذه القابلية إلى قدرة الجليل القادر على كل شيء. فلا بد إذن أن توجد في تلك الحفنة ماكنة معنوية طبيعية خاصة لكل زهرة من أزهار العالم، وإلا لا يمكن أن يظهر ما نشاهده من أنواع الأزهار والأثمار إلى الوجود، إذ البذور كالنطف موادها متشابهة، وهذه المواد هي الأوكسجين والكربون والآزوت تشكلت بأشكال متنوعة وأنظمة مختلفة، وركبت تركيبًا خاصًا، علمًا أن كلا من الهواء والماء والحرارة والضوء، أشياء بسيطة لا تملك عقلًا أو شعورًا، وهي تتدفق كالسيل في كل شيء دونما ضابط. فتشكيل تلك الأزهار التي لا تحد من تلك الحفنة من التراب بصورها المتنوعة وأشكالها المختلفة. وهي في منتهى الانتظام والإتقان تقتضي بالضرورة أن توجد في تلك الحفنة من التراب مصانع ومطابع معنوية بمقاييس صغيرة جدًا أكثر مما في أوربا من مصانع ومطابع، كي تتمكن أن تنسج تلك المنسوجات الحية التي لا تعد.

والشي نفسه يقال على الإنسان، فلو لم يكن وجود الإنسان قد كتب بقلم الواحد الأحد القدير. وكان مطبوعا بمطابع الطبيعة والأسباب فيلزم عندئذ وجود قوالب طبيعية بعدد ألوف من المركبات المنتظمة العاملة في جسمك، والتي لا يحصرها العدد، ابتداء من أصغر الخلايا العاملة بدقة، وانتهاء بأوسع الأجهزة العاملة فيه. (1)

ولو افترضنا جدلًا قدرة الأسباب أو الطبيعة على الخلق والإيجاد، مع دقة الصنعة وروعة في الإتقان، فعندها لن نواجه بصعوبة فقط، بل سنجابه بمشكلات تبلغ الغاية في الامتناع والمنتهى في العجز والقصور. فضلًا عن خروجه عن دائرة العقل والإمكان والاحتمال، يقول النورسي:

(1) - اللمعات- النورسي ص 276،278

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت