فهرس الكتاب
فنحن هنا إزاء أمرين:
-سهولة مطلقة في الخلق إذا أُسند المخلوق لله تعالى.
-وصعوبة مطلقة تصل حدّ الامتناع إذا أُسند المخلوق للأسباب.
فالأول ثابت بالضرورة، وواجب وحق، والثاني محال وعدم ومخالف للعقل والواجب. ومجاف للحق والحقيقة، مما يعني أننا نقف في واقع الأمر أمام شيء واحد فقط، وهو سهولة مطلقة يخرج بها المخلوق من العدم إلى الوجود، وبالسهولة نفسها يستند إلى الله خالقه فيشكل مع غيره منظومة وجودية ووحدة خلقية غاية في الروعة والإتقان والجمال والجلال.
وما هذا حاله لا يصدر عن أسباب كثيرة، ولا أيد متنوعة، بل الواقع يحتّم كما يرى النورسي صدوره:
"من يد واحدة لواحد أحد قدير حكيم". (1)
بل ذهب إلى أن إسناد الخلق إلى الأسباب العمياء والطبيعة بماديتها الجامدة الغليظة:
"عمى ما بعده عمى، وصمم ليس وراءه صمم". (2)
شهادة المخلوقات على خالقها
إن النسبة التي بين المخلوقات وخالقها هي في كل الأحوال نسبة خاصة، وسميت لخصوصيتها تلك بالنسبة الإستنادية تمييزًا لها عن نسبة أخرى تنحو غير هذا المنحى. بها يتعلق المخلوق في صميم وجوده بخالقه، وينجذب إليه إنجذابًا شديدًا لا انفكاك له، وعندما تنتقل تلك النسبة إلى الواقع الخارجي، وتندرج في عالم الوجود. تتخذ لها مظهرًا عيانيًا يجعلها كالدالة على وجود خالقها. حينئذ تذوب النسبة وتتحول إلى شهادة. ثم تتجلى الشهادة وحدها في النهاية كمظهر خارجي من مظاهر النسبة الإستنادية.
(1) - المصدر السابق ص 273
(2) - المصدر السابق ص 273