فهرس الكتاب
ومظاهر الحياة الإلهية المختلفة من علم وإرادة وقدرة هي التي اقتضت في الوجود حياة لها نفس المظاهر، حتى يمكن على حد تعبير النورسي (1) مشاهدة نور الحياة على الأَحياء كافة. فالحياة إذن هي نور الوجود وكاشفة للموجودات وسبب لظهورها، وهي التي تجعل كل شيء مالكًا لكل كائن حي، وتجعل الشيء الحيَّ الواحد بحكم المالك لجميع الأشياء، وهي التي تمكنه من القول: إن هذه الأشياء ملكي، والدنيا مسكني، والكائنات كلها ملك أعطانيه له مالكي .
ومعنى جليل كهذا لا تفهم حقيقته ولا يسبر غوره إلا بمقارنة بسيطة بين جسم كبير كالجبل وجسم صغير كالنملة، فيقول النورسي"انظر إلى الجبل وليكن جبلًا شاهقًا ، ترَهُ غريبًا يتيمًا وحيدًا، إذ تنحصر علاقته وصلته بمكانه وما يتصل به من أشياء فقط، وما يوجد من الكائنات الأُخرى معدوم بالنسبة إليه . وذلك لأَنه ليس له حياة حتى يتصل بها. ولا شعور حتى يتعلق به."
ثم انظر إلى جسم صغير حيَّ كالنحل مثلًا: ففي الوقت الذي تدخل فيه الحياة فإنه يقيم عقدًا وصلة مع جميع الكائنات والموجودات. وخاصة مع نباتات الأرض وأزهارها بحيث يمكنه القول: إن جميع الأرض هي حديقتي ومتجرى. فالحياة وحدها هي التي أعطت للنحل فرصة التعرف وإمكانية الأُنس والتبادل مع أكثر الموجودات في الدنيا. (2)
ولعل هذا هو ما دفع بالنورسي (3) ليؤكد على أَنَّ الحياة هي أَعظم تجل لاسم الله الحي، وأَروع معجزات القدرة الإلهية، والصنعة الإلهية الخارقة، وأَسطع برهان وأَثبته وأَكمله على وجوب وجوده تعالى، وأعجوبة الخلقة الربانية، وأَلطف تجليات اسم الرحمن والرحيم والرزاق والكريم والحكيم وأَمثالها من الأَسماء الحسنى، ولها من المراتب والوظائف والصفات والمرايا ما يحتاج بيانه وتفصيله إلى أُلوف الصفحات لتفي بكل هذه الخصائص.
(1) - الكلمات - النورسي ص 596-597.
(2) - المصدر السابق ص 597.
(3) - اللمعات - النورسي ص 588و 560.