فهرس الكتاب
ومثلما تصدر الأوامر التطهير والتنظيف إلى من نسبتهم إلى الله تعالى قهرية وجبرية، تصدر أيضًا إلى من نسبتهم إلى الله اختيارية كالإنس والجن، وذلك لما يتطلبه اسم القدوس من مقتضيات الطهر والنقاء والصفاء ، لأَجل هذا عد النورسي الآية الكريمة ( إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ التَّوَّابِينَ وَيُحِبُّ الْمُتَطَهِّرِينَ) (1) من الدلائل المشيرة إلى أن الطهر مدعاة إلى المحبة الإلهية ومدار لها.
العدل:
على الرغم من مظاهر التخريب والتعمير والاضطراب، ومظاهر الإصلاح والفساد التي تسود العالم بأكمله، إلا أن المتأمل الناظر يشهد موازنة عامة وميزانًا حساسًا وعملية وزن دقيق تسيطر على أرجاء العالم وتهيمن عليه هيمنة محيرة للعقول، بحيث تدل بداهة: أن ما يحدث ضمن هذه الموجودات التي لا يحصرها العد من تحولات وما يلج فيها وما يخرج منها لا يمكن أن يكون إلا بعملية وزن وكيل، وميزان من يرى أنحاء الوجود كلها في آن واحد، ومن تجرى الموجودان جميعها أمام نظر مراقبته في كل حين.
وإلا فلو فوض أمر الموازنة العامة إلى الأسباب المادية السائبة والساعية إلى اختلال التوازن، أو أُسند إلى المصادفة العشواء أو القوة العمياء أو الطبيعة المظلمة، لكانت بويضات سمكة واحدة والتي تزيد على الألف تخل بتلك الموازنة، بل بذيرات زهرة واحدة والتي تزيد على العشرين ألف تخل بها. ناهيك عن تدفق العناصر الجارية كالسيل والانقلابات الهائلة والتحولات الضخمة التي تحدث في الكون .
فكل واحد منها قمين بأن يخل بتلك الموازنة الدقيقة المنصوبة بين الموجودات، وتفسد التوازن الكامل بين أجزاء الكائنات، ولكنت ترى العالم خلال سنة واحدة، بل خلال يوم واحد قد حل فيه الهرج والمرج، وتعرض للاضطراب والفساد. فالبحار تمتلئ بالأنقاض والجثث، والهواء يتسمم بالغازات المضرة الخانقة ويفسد، والأرض تصبح مزبلة وتغدو مستنقعًا آسنًا لا تطاق فيه الحياة.
(1) - البقرة: 222.