الصفحة 566 من 3036

ولكن الأمر على النقيض من هذا كله، فلا تفاوت ولا اختلال في الموجودات كلها، ابتداء من حجيرات الجسم إلى الكريات الحمراء والبيضاء في الدم، ومن تحولات الذرات إلى التناسب والانسجام بين أجهزة الجسم. ومن واردات البحار ومصاريفها إلى موارد المياه الجوفية، ومن تولدات الحيوانات والنباتات ووفياتها إلى تخريبات الخريف وتعميرات الربيع، ومن وظائف العناصر، وحركات النجوم إلى تبدل الموت والحياة، ومن تصادم النور والظلام، إلى تعارض الحرارة والبرودة وما شابهها من أمور .

وعلى هذا فالكل يوزن ويقدر بميزان خارق الحساسية، وان الجميع يُكتال بمكيال غاية في الدقة، بحيث يعجز عقل الإنسان أن يرى إسرافًا حقيقيًا في مكان، وعبثًا في جزء، بل يحس ويشاهد أكمل نظام وأتقنه في كل شئ، ويرى أروع توازن وأبدعه في كل موجود. (1)

إن هذه الموازنة الدقيقة هي عند النورسي التجلى الأعظم لاسم الله تعالى العدل . والمقتضى اللازم من مقتضياته، فتظهر حركة الوجود دائرة على نظام ومساقة بترتيب يدق على الفهم، ومرتبة ترتيبًا يضع كل موجود في موقعه اللائق به والمناسب لطبيعته وأحواله على نحو لا يشذ منه شئ، بحيث يمنع منعًا باتًا تصور ما هو نقيض له. وكل تصور عكس ذلك يدحض في العدالة الإلهية ودحضًا لا يبقى معه إمكان لوجود أي علم أو إرادة أو قدرة لله تعالى في العالم.

يقول النورسي شارحًا ذلك التجلي البديع:

"تأمل في الأرض، هذه السفينة الجارية السابحة في الفضاء والتي تجول في سنة واحدة مسافة يقدّر طولها بأربع وعشرين ألف سنة، ومع هذه السرعة المذهلة لا تبعثر المواد المنسقة على سطحها ولا تفرق العناصر المخزونة في باطنها ولا تطلقها إلى الفضاء، فلو زيد شيء قليل في سرعتها أو أنقص منها لكانت تقذف بقاطنيها إلى الفضاء، ولو أخلّت بموازينها لثانية واحدة لتعثرت في سيرها واضطربت، ولربما اصطدمت بغيرها من السيارات ولقامت القيامة ."

(1) - اللمعات - النورسي ص 524.

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت