فهرس الكتاب
ثم تأمل في حجيرات الجسم، وأوعية الدم . وفي الكريات السابحة في الدم. وفي ذرات تلك الكريات. تجد من الموازنة الخارقة البديعة ما يثبت إثباتًا قاطعًا أنه لا تحصل هذه الموازنة الرائعة ولا هذه التربية الحكيمة إلا بميزان حساس ، وبقانون نافذ، وبنظام صارم للخالق الواحد الأحد العدل الحكيم، الذي بيده ناصية كل شئ، وعنده مفاتيح كل شئ، لا يحجب عنه شيء ولا يعزب، يدير كل شيء بسهولة إدارة شيء واحد" (1) "
وكما اقتضت عدالة الله تلك الموازنة البديعة في الكون والحياة، فهي كذلك تقتضي إقامة الحياة الأخرى، وتستلزم الحشر، إذ لا يمكن كما يؤكد النورسي أن تنقلب الحقائق المحيطة بالكون إلى اضدادها بعدم مجيء الحشر، وبعدم إقامة الآخرة . (2)
وما أراد النورسي سوقه هنا أن معاني الكمال الإلهي قد تنقلب إلى اضدادها ، فالرحمة تنقلب إلى ضدها وهو الظلم، وتنقلب الحكمة إلى ضدها وهو البعث، وينقلب الطهر إلى ضده وهو العبث والفساد. (3)
الحفيط:
إن وجود الموجودات وحده على ما هي عليه، وثباتها في أداء وظائفها، ليس لها من حيث هي موجودة، فاقتضى الإيجاد ما يديم لها البقاء مدة تطول وتقصر حسب ما تؤديه من وظائف، وفي حدود ما هي مخلوقة له. والمعنى الذي يفيد الثبات وإدامة البقاء هو ما يعرف بالحفظ، وعلى الضد منه الإعدام.
وحفظ الموجودات مدة بقائها في الوجود هو أحد تجليات اسمه الحفيظ ، حيث نشاهد كما يحدثنا النورسي حفيظية مهيبة بادية للعيان تحكم كل شيء حي، وتهيمن على كل حادث، تحفظ صوره الكثيرة ، وتسجل أعمال وظيفته الفطرية. (4)
وكعادة النورسي فالمثل الذي يضربه لتجلى الاسم يعبر عن تلك الحفيظية بدقة متناهية فيقول:
(1) - المصدر السابق ص 524- 525.
(2) - المصدر السابق ص 526- 527.
(3) - المصدر السابق ص 527.
(4) - الشعاعات - النورسي ص 269.