فهرس الكتاب
"خذ غرفة بقبضتك من أشتات بذور الأزهار والأشجار، تلك البذيرات المختلطة والحبات المختلفة الأجناس والأنواع، وهي المتشابهة في الأشكال والأجرام، ادفن هذه البذيرات في ظلمات تراب بسيط جامد، ثم اسقها بالماء الذي لا ميزان له، ولا يميز بين الأشياء، ثم عد إليها عند الربيع الذي هو ميدان الحشر السنوي وانظر وتأمل ماذا ترى ؟"
فأنت ترى أن تلك البذيرات التي هي في منتهى الاختلاط والامتزاج مع غاية التشابه تمتثل تحت أنواع تجلى اسم الحفيظ امتثالًا تامًا بلا خطأ الأوامر الآتية من بارئها الحكيم، فتلائم أعمالها، وتوافق حركاتها مع تلك الأوامر بحيث تستشف منها لمعان كمال الحكمة والعلم والإرادة والقصد والشعور.
ألا ترى أن تلك البذيرات المتماثلة كيف تتمايز ويفترق بعضها عن البعض الآخر، فهذه البذيرة قد صارت شجرة تين تنشر نعم الفاطر الحكيم فوق رؤوسها وتنثرها عليها، وتمدها إلينا بأيدي أغصانها، وهاتان البذيرتان المتشابهتان بها قد صارتا زهرة الشمس وزهرة البنفسج. وأمثالها كثير من الأزهار الجميلة التي تتزين لأجلنا وتواجهنا بوجه طليق مبتسم متوددة إلينا" (1) "
ويربط النورسي في ثنايا عرضه بين تلك الحفيظية المشهودة، وبين حقيقة الحشر التي تتضمنها الآية الكريمة ( وَإِذَا الصُّحُفُ نُشِرَتْ) (2) فيقول:
"إن ميلاد الزهور والنباتات يعلن الأمثلة والدلائل ما يؤكد على أن الأشياء جميعها ولا سيما الأحياء لم تخلق لتنتهي إلى الفناء، ولا لتهوى إلى العدم، ولا لتمحى إلى غير شئ، بل خلقوا للمضي قدمًا إلى البقاء، وللدخول بتزكية أنفسهم إلى عالم الحياة الخالدة" (3)
(1) - اللمعات - النورسي ص 208 -209.
(2) - التكوير:10.
(3) - الشعاعات - النورسي ص 269.