الصفحة 569 من 3036

والحفيظ الذي يفعل هذا الحفظ المعجز يشير كما يقول النورسي إلى إظهار التجلى الأكبر للحفيظية يوم الحشر الأعظم والقيامة الكبرى، وذلك لأن كمال الحفظ والعناية في مثل هذه الأمور الزائلة التافهة من دون قصور لهو حجة بالغة على محافظة ومحاسبة ماله أهمية عظيمة وتأثير أبدى ، كأفعال خلفاء الله في الأرض، وأعمال حملة الأمانة وأقوالهم، وحسنات عبد الواحد الأحد وسيئاتهم. (1)

تجلى الأسماء الحسنى على الإنسان:

إن النسبة الظاهرة بين اسم الله تعالى ومقتضاه هي التي أخرجت الموجودات إلى الوجود، وحددت لها وظائها. وخصصت كل موجود بما يشار إليه إما إشارة عينية أو معرفية حسب رتبة الموجود ومنزلته وأهميته، وكما جعلت تلك النسبة كل موجود مستقل بذاته في الخلق، جعلته أيضًا يتفاوت من حيث الخلق والخلقة بتفاوت مقتضى الاسم وأثره.

ويتبين هذا الأمر في أرفع صوره وأسماها في أعلى الخلق مرتبة بين المخلوقات ، وهم المكلفون من الملائكة والإنس والجن، ثم هو أوضح ما يكون عند الإنس خاصة، أفضل الخلق قاطبة وأعلاهم منزلة وتكليفًا، ومقارنة بسيطة بين خلق هؤلاء المكلفين وخلق سواهم ممن هم دونهم تكشف لنا عن تلك الحقيقة، وترينا في الوقت نفسه سمو وعلو منزلة الإنس على سائر خلق الله.

فالله تعالى وكما يقول ابن عربي عندما خلق سائر خلقه من غير المكلفين خلقهم بأسماء وصفات الجبروت والكبرياء والعظمة والقهر والعزة، فكان لهذه الأسماء والصفات أثر مشهدي في ذواتهم، فخرجوا أذلاء تحت القهر الإلهي، وتعرف إليهم بهذه الأسماء والصفات، فلم يجد منهم أحد في نفسه طمعًا للكبرياء على أحد من خلق الله، كيف وقد أشهدهم الله أنهم في قبضته وتحت قهره، وشهدوا بأن نواصيهم بيده، فقال تعالى ( مَا مِنْ دَابَّةٍ إِلاّ هُوَ آخِذٌ بِنَاصِيَتِهَا) (2) والأخذ بالناصية كناية عن القهر، لأن من أخذ بناصية غيره فقد قهره وأذله .

(1) - اللمعات - النورسي ص 209.

(2) - هود:56.

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت