فهرس الكتاب
أما الملائكة والجن والإنس فقد خلقوا بأسماء وصفات اللطف والحنان والرأفة والعطف والمنة، وعندما خرجوا للوجود لم يروا عظمة ولا عزًا ولا كبرياء، ورأوا أنفسهم مستندة في وجودها إلى رحمة الله وعطفه، ولم يبد الله لهم من جلاله وكبريائه وعظمته حين تجلى لهم ما يشغلهم عن نفوسهم، فأقروا له بالربوبية ، لأنهم في قبضته ولو شهدوا أن نواصيهم بيد الله شهادة عين ما عصوا الله طرفة عين، وكانوا مثل سائر المخلوقات يسبحون الليل والنهار ولا يفترون. (1)
ومن بين هؤلاء خص الله تعالى الإنسان بخلقة جعلت منه صنعته الخارقة، ومعجزته الرائعة، ثم جعله مظهرًا لجميع تجليات أسمائه وصفاته، وصيره مثالًا مصغرًا ونموذجًا للمخلوقات بأسرها، كيف لا، وهو كما يقول النورسي أعظم مقصد من المقاصد الإلهية. المؤهل لإدراك الخطاب الإلهي، والمصطفى المختار من جميع خلقه ليخلف الله تعالى في أرضه، وبالخلافة سيّده على العالم سيادة استمد منها الوجود كل ماله من أهمية. وكل ماله من تناسق وجمال. (2)
والنورسي يرد سر امتياز الإنسان وتميزه إلى أنه أكمل مظهر من مظاهر تجليات الأسماء الحسنى، وهي التي جعلت منه عمودًا ساندًا للكائنات كلها، ومركزًا للكون ومحورًا له، ومسخرًا من أجله. فعلى سبيل المثال هو وحده الذي يمكنه إدراك جميع الأسماء الإلهية ويتذوقها بما أودع الله فيه من مزايا وحقائق جامعة، فهو يدرك كثيرًا من معاني تلك الأسماء لما يتذوق من لذائذ الأرزاق المنهمرة عليه، بينما لا يبلغ الملائكة إلى إدراك معاني الأسماء بتلك الأذواق الرزقية لافتقارهم إلى مثل ما عند الإنسان من حواس. (3)
أما حكمة تجلى أسماء الله الحسنى على الإنسان فترجع كما يقرر النورسي إلى الوظائف المهمة الثلاث التي أُنيطت بالإنسان وهى:
(1) - الفتوحات المكية - ج (4) - ابن عربي ص 202-203.
(2) - اللمعات - النورسي ص 593-594.
(3) - المصدر السابق ص 596.