الصفحة 575 من 3036

أما إلزام الإنس فقد أسس على قاعدة صلبة ومتينة من الانتساب، فهم وإن ألزموا -كالملائكة والجن- بالتكليف، إلا أن الإلزام اتخذ في حقهم معنى جديدًا لا نظير له ولا مثيل، ففي الوقت الذي يبقى التكليف ثابتًا ولازمًا لهم لا يفارقهم، تنفك عنهم صفة المكلَّف، ومردّ الانفكاك هنا إلى أن الإلزام فيه سعة من الاختيار، لأن الله تعالى عرض عليهم التكليف على سبيل الاختبار والمحنة والامتحان، والعرض بهذه الطريقة فيه ترق بالتكليف إلى مرتبة لا يصح الحكم عليهم فيها بأنهم مختارون أو مضطرون، بل الأليق القول: بأن تكليفهم على فرض الاضطرار.

ويطلق النورسي على ذلك الانتساب إلى الله اسم (الإيمان) (1) مما يعني أن الإيمان في الأصل هو انتساب إلى الله، فعدّ لهذا السبب مناط التكليف الإلهي، منه تحدد أسس العلاقة أو الرابطة بين الله تعالى والإنسان، وبه ينال الإنسان صفة المكلَّف.

إن الانتساب أو الإيمان كما رأينا منه ما هو اضطراري أو فطري -كانتساب وإيمان الملائكة والجن- فامتنع بالتالي أن يكون محورًا للتكليف، ومن ثم أسست العلاقة على النسبة الإلزامية وحدها، فاستحقوا بموجبها صفة المكلفين، بها ترقوا في المرتبة عن مرتبة الحيوانات والجمادات، الأمر الذي جعل لهم في حركتهم نسبة ذاتية تنسب إليهم كما تنسب للإنس، سواء بسواء، لأن الإيمان وإن كان فيهم على نحو جبلِّي وفطري إلا أنه لم يحرمهم أهم ما في العلاقة كلها وهي الانتساب إلى الله تعالى بصفة أخص من صفة المخلوق.

(1) - الكلمات- النورسي ص 349

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت