فهرس الكتاب
ثم شاء الله تعالى بمقتضى حكمته الأزلية أن يرتفع بمخلوقاته من علاقة (المخلوقية) إلى علاقة أخص بها، يترقى المخلوق في سلم الحياة بمعنى لا يشاركه فيه غيره، فتفضَّل تعالى على مخلوقاته بالتكليف، لينتسب المخلوق إلى خالقه بصفة أخص، فيها ترقية للمخلوق- من جهة- وتشريف له من جهة أخرى، وهي صفة المكلَّف، إذ في العلاقة التكليفية وفي الانتساب إليه تعالى بصفة المكلَّف، إذ في العلاقة التكليفية وفي الانتساب إليه تعالى بصفة المكلَّف ما ليس في علاقة المخلوق بالخالق، حيث ينفك المخلوق عن خالقه بمعنى جديد، وباستقلال تام في الوجود، ليعود إليه من جديد برابطة وعلاقة تمتاز بصفة الخصوصية.
ولهذا عرض الله تعالى ما تفضل به على مخلوقاته من تكليف بطريقتين:
الأولى فيها تخيير بين قبول التكليف وعدم قبوله.
والثانية فيها إلزام لهم بالقبول.
أما طريقة التخيير فقد خصت بها المخلوقات الحية كالحيوانات وغيرها، وكالجمادات وما في حكمها، فاختارت الانتساب إلى الله تعالى نسبة لا ذاتية لهم فيها. وبالتالي كانت حركتهم في الوجود، بل وتكليفهم- إن جاز أن يقال له تكليف- تحت إرادة الله تعالى وقدرته وقهره.
وبموجب هذا الانتساب يتصرف الله فيهم كيف يشاء، وهم- من جهتهم- قد استندوا على الله في حركتهم، ولذلك عدت علاقتهم بالله وانتسابهم إليه، علاقة وانتسابًا استناديين.
وأما الإلزام بقبول التكليف فقد خص به الملائكة والجن والإنس، فألزم الملائكة والجن به، حتى يظهروا ذاتية في القبول وفي الانتساب إليه، ولكنه إلزام لا اختبار فيه ولا امتحان، فانتسبوا إليه على هذا الأساس، وهم بموجب الإلزام التكليفي لهم ذاتية انتساب محدودة تميزوا بها على غيرهم ممن خيروا بين قبول التكليف وعدمه، وبموجب تلك الذاتية في الانتساب إلى الله انحصر تكليفهم في دائرة لا محنة فيها ولا اختبار.