الصفحة 577 من 3036

ونظرة متأنية على من انتسبوا إلى الله نسبة أُسقط فيها عنصر الاختيار -كما هو الحال في الجمادات والحيوانات- ترينا جلال الاختيار وعظمته، وتكشف لنا بجلاء عن خطورته كأصل للانتساب والإيمان، فهؤلاء لافتقارهم إلى عنصر الاختيار هبطت علاقتهم بالله وصلتهم به، من علاقة وصلة المنتسب، إلى علاقة وصلة المستند إليه، فعرفت تلك النسبة بالنسبة الاستنادية، حيث ليس لديهم حركة ذاتية، وإنما هم في حركتهم وقدرتهم مستندين إلى قدرة لله تعالى وتحت قهره وجبروته، وطوع إرادته ومشيئته.

والإنسان باختياره الانتساب إلى الله تعالى يكتسب على -حد تعبير النورسي- قيمة سامية، تتمثل في أن الإيمان يقوم - في أول ما يقوم به- بإظهار جميع آثار الصنعة الإلهية الكامنة في الإنسان، وتظهر الأسماء الربانية على صفحة وجوده الحيوي، فتتعين بذلك قيمة الإنسان، فيتحول هذا الإنسان الذي لا أهمية له إلى مرتبة أسمى المخلوقات قاطبة، حيث يصبح أهلًا للخطاب الإلهي، وينال شرفًا يؤهله للضيافة الربانية في الجنة" (1) ."

ومقصود النورسي بذلك: أن حركة الانتساب الاختيارية تنقل الإنسان إلى منزلة جديدة، وتترقى به إلى مقام رفيع، لم يكن له بحكم كونه مخلوقًا، فيقفز من عمومية الخلق إلى خصوصية الصلة، حيث تتجلى فيه أسماء الله وصفاته، وبها تتحقق صفة العبودية، وهي أخص من صفة الخلافة والنيابة عن الله، إذ أن الأولى له بحكم الانتساب، والثانية له بحكم الخلق والإيجاد، وبموجب الانتساب ترد عليه الأنوار الإلهية فتخرجه من ظلمة الجهل إلى نور الإيمان، ومن ضيق الدنيا إلى سعة الدنيا والآخرة.

(1) - الكلمات - النورسي ص 349.

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت