الصفحة 578 من 3036

ولا يقطع ذلك الانتساب شئ كالكفر، ولا يفهم للكفر من معنى عند النورسي أكثر من أن الإنسان قد اختار بمحض إرادته ألا يقيم صلة أو علاقة بالله. وباختياره هذا تنفصم صلته بالله، فيصبح مخلوقًا لا نسبة له مع الله، اللهم إلا النسبة التي له بحكم كونه مخلوقًا، وتلك نسبة استنادية قهرية.

ومن هنا يرى النورسي أن الكفر على النقيض من الإيمان به"تسقط جميع المعاني التي كان يستأهلها بموجب الانتساب، وأول تلك المعاني: تجليات أو نقوش الأسماء الإلهية الحسنى. تلك الأسماء التي تتراءى نقوشها وتجلياتها في مرايا جميع الكائنات، حتى ما يطلق عليه أسم (الإنسانية) ، هذه الإنسانية يقذف بها الكفر من صورتها الحية التي تفوقت بها على الأرض والجبال والسماوات، بما أخذت على عاتقها من الأمانة الكبرى، وفضلت على الملائكة وترجحت عليها، حتى أصبحت صاحبة مرتبة خلافة الأرض، يقذفها الكفر من هذه القمة السامية العالية إلى دركات هي أذل وأدنى من أي مخلوق ذليل، فانٍ، عاجز، ضعيف، فقير. بل يرديها إلى دركة أتفه الصور القبيحة الزائلة سريعًا."

أما ما تبقى من هذه الإنسانية مما يتراءى العين فسوف يعزى للأسباب التافهة، إلى الطبيعة والمصادفة، فتسقط نهائيًا وتزول، حيث تتحول كل جوهرة إلى زجاجة سوداء مظلمة، وتقتصر أهميتها على المادة الحيوانية وحدها، وغاية المادة وثمرتها هي قضاء حياة قصيرة جزئية يعيشها صاحبها وهو أعجز المخلوقات وأحوجها وأشقاها، ومن ثم يتفسخ في النهاية ويزول، وهكذا يهدم الكفر الماهية الإنسانية ويحيلها من جوهرة نفيسة إلى فحمة خسيسة" (1) "

(1) - المصدر السابق ص 350.

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت