الصفحة 581 من 3036

أما إذا اختار الإنسان ألا يستند إلى الله تعالى، فإنه بلا أدنى شك يحرم من الوثيقة التي تعطيه الحق بأن ما يفعله يتم باسم الله، ولا يبقى بعد هذا - وهو على هذه الحالة- إلا النسبة الجزئية الضئيلة والتي نالها بلا اختيار منه، وهي كونه مخلوقًا. وحتى في هذه النسبة إنما يتحرك بحكم الاستناد القهري وحده، وما ينجز من أعمال إنما يتم بالقهر والجبروت، لا بالحرية والاختيار.

وقد شبه النورسي ما هذا حاله بالجندي السائب الذي لم ينخرط في الجندية، فهو مضطر إلى حمل ذخيرته وعتاده على ظهره، وبذلك لا يمكنه القيام بأعمال سوى أعمال تتناسب مع تلك القوة الضئيلة المحمولة على كتفه، وبما يناسب كمية المعدات واللوازم البسيطة التي يحملها على ظهره، ومهما بلغ من الشجاعة فلا يستطيع أن يقهر إلا بضعة أفراد من العدو، وقد لا يثبت أمامهم إلا لفترة قليلة، اللهم إلا إذا استطاع أن يحمل على ذراعه قوة جيش كامل، ويردف على ظهره معامل وأعتدة الدولة الحربية، واستحالة ذلك بينة لكل ذي نظر (1) .

وأهمية قوة الاستناد والانتساب بالنسبة للإنسان ملاحظة بوضوح فيمن نسبتهم الاستنادية لله بلا اختيار. كالمخلوقات الحية وغير الحية. فهذه القوة مثلًا (2) هي التي تمكن النملة الصغيرة من تدمير قصر فرعون طاغ، رغم ضآلتها، وتجعل البعوضة الرقيقة تجهز على نمرود طاغية، وتجعل الميكروب البسيط يدمر طاغيًا باغيًا أثيمًا. كما تمد البذرة الصغيرة لتحمل على ظهرها شجرة صنوبر باسقة، كل ذلك باسم ذلك الاستناد، وبسر ذلك الانتساب.

ولو انقطع ذلك الاستناد والانتساب، فإن خلق البذرة يقتضي أجهزة وقدرة ومهارة هي أكثر مما يحتاج إلى خلق شجرة الصنوبر الضخمة، وذلك لأن جميع أعضاء شجرة الصنوبر يلزم أن تكون موجودة في تلك البذرة التي هي بحد ذاتها شجرة معنوية. لأن مصنع تلك الشجرة يكمن في تلك البذرة.

نور الإيمان:

(1) - اللمعات - النورسي ص279.

(2) - المصدر السابق ص 278.

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت