فهرس الكتاب
إن مجرد دخول الروح على مادة الإنسان الطينية كاف لإعطاء الإنسان صفة الإنسية. وصفة الإنسانية كافية هي الأخرى لإعطائه كماله اللائق به. غير أن الكمال في حد ذاته -وبغض النظر عن كل شئ- ليس كمالًا واحدًا، بل هو كمالان: نوعي، ووظيفي، وذلك لأن للروح الإلهي حركتين في البدن:
ـ حركة تحقق فيها الروح للإنسان كماله النوعي؛ وذلك حين تتأصل صلة الروح بالنفس، فتتعلق النفس بالبدن تعلق التدبير والتصرف، والنفس عن طريق الروح تسري في البدن سريان الماء في العود الأخضر، ومنه تنشأ الحياة والحس والحركة والإرادة الذاتية.
ـ حركة ثانية تأصلت فيها صلة الروح بالنفس: لتتأهل النفس لاستقبال الوحي الإلهي. أي أن العنصر الروحي قد أهَّل النفس للتلقي عن الله، مما جعل النفس تتصف بالعلم والمعرفة. وهما أساس الكمال الوظيفي.
بهذين الكمالين تحصَّل الإنسان على منزلة الشرف والفضل، واحتل المنزلة الأولى بين المخلوقات، فهو من ناحية النوع أفضل الخلق، إذ جمع فيه تعالى ما فرقه على الخلق، فسمي العالم الصغر، ومن ناحية الوظيفة شرّفه الله تعالى بالنيابة عنه، تشريفًا له، ليتصرف في كل ما استخلفه فيه تصرف المالك المطاع، وتلك منزلة لم يبلغها مخلوق من خلق الله أبدًاز
ومهما يكن من أمر الكمال الإنساني فهو معنى أودعه الله في الإنسان، بلا كسب منهن ولاحظ له فيه، إذ به تحقق معنى الإنسانية الذي تميز به عن غيره من المخلوقات، فهو من هذه الزاوية تساوى مع غيره مساواة الند للند، وحتى يخرج من هذه الدائرة وينكشف له ما كان محجوبًا بالقهر الكمالي، أشرق الله عليه بنور الوحي والنبوة، فقال تعالى:
( وَكَذَلِكَ أَوْحَيْنَا إِلَيْكَ رُوحًا مِّنْ أَمْرِنَا مَا كُنتَ تَدْرِى مَا الكِتَابُ وَلاَ الإِيَمانُ وَلَكِن جَعَلْنَاهُ نُورًا نَّهْدِى بِهِ مَن نَشَاءُ مِنْ عِبَادِنَا وَإِنَّكَ لَتَهْدِى إِلَى صِرَاطٍ مُسْتَقِيمٍ ) (1) .
(1) - الشورى 52.