فهرس الكتاب
لفت النورسي - في أول ما لفت إليه- النظر في الزمان الماضي الذي يذكر كل حيِّ بالعدم، أي بالظلام الموحش، وكأنه مقبرة كبيرة واسعة تضم الممالك وما فيها، ومدافن منتشرة خربة، تضم الأهل والأحباب، ويسودها الصمت الرهيب، ولكن بنور الإيمان تتبدد كل هذه الأوهام، وتزول الرهبة، وينقشع الظلام كسحابة صيف، فكأنه يقول لنا:
"نعم لقد دمرت الممالك حقًا، وأنها هدمت وزالت من الوجود، ولكن بدون خسائر في الأرواح،فإن ساكني تلك الممالك وموظفيها في حقيقة الأمر قد نقلوا إلى عالم نوراني خالد رائع الجمال، وما هذه القبور المبثوثة في أرجاء العالم التي نشاهدها هنا وهناك -إلا أنفاق تحت الأرض توصلنا إلى العالم الرحب". (1)
ومن هذا الإيمان ينبثق سرور وأفراح واطمئنان، لأنه قد حول الماضي إلى ذكرى منوّرة، فبدلًا من النظرة السوداء اليائسة، والرعب المخيف من المصير المحتوم، تحول الماضي كله إلى ملتقى يجتمع فيه الأهل والأحباب، وإلى مجلس منور كمجالس الدنيا، لا رهبة فيه، ولا خوف، ولا عدم فيه ولا فناء.
وما ينطبق على الماضي ينطبق -أيضًا- على الموت مصدر الرعب الدائم للأحياء قاطبة، فبنور الإيمان ينكشف الوجه الحقيقي له، فالموت كما يقول النورسي:"ليس بإعدام نهائي، ولا بفراق أبدي، وإنما هو مقدمة وتمهيد للحياة الأبدية وبداية لها، وهو انتهاء لأعباء مهمة الحياة ووظائفها، وراحة وإعفاء، وهو تبدل مكان بمكان" (2) .
أما القبر نفسه فهو ليس فوهة بئر، وإنما هو باب لعالم النور، وإنه طريق لا يؤدي إلى الأبد، وليس طريقًا ممتدًا ومنتهيًا بالظلمات والعدم، بل هو طريق إلى عالم النور، وعالم الوجود، وعالم السعادة" (3) ."
(1) - المصدر السابق ص 470.
(2) - اللمعات - النورسي ص346
(3) - المصدر السابق ص 340.