فهرس الكتاب
إن تفكير الإنسان الدائم في الموت يرتبط عند الكافر دومًا بالفراق الأبدي الذي لا لقاء بعده، ولا اجتماع مع من ارتبط بهم في دنياه بعلاقة المحبة والأخوة. وعندما يتصور أن هذا مآل كل شئ فيقوده تصوره بالضرورة إلى ضرب شديد من الأنانية، تورثه -لضيقها وظلمتها وزيفها- آلامًا مبرحة، بينما المؤمن ينظر بنور الإيمان إلى المصير نفسه نظرة مشرقة، تبعث على الفرح ولهفة اللقاء، وتنطوي في قلبه على معنى واحد، وهو أن يما يبدو في ظاهره عدمًا، إنما هو مقدمة لوجود عالم آخر، لا فناء فيه ولا زوال.
والنظرة نفسها يريها الإيمان للمؤمن عن جميع الأحياء الذين يتوجهون واحدًا بعد الآخر إلى هذا المصير، حتى يغيبوا وراء ظلمات العدم إلى غير رجعة. فهو يريه أن الأحياء كالبدو، ينتقلون من مرعى إلى آخر، ومن دار الفناء إلى دار البقاء، ومن مكان الخدمة إلى موضع أخذ الأجرة، ومن ميدان الزحمة والمشقة إلى مقام الرحمة والمكافأة (1) .
وما بين الحياة والموت يعيش الإنسان الكافر في عالم واسع يتسع بقدر حركته فيه، فيحس -من جراء ذلك- بضآلة شأنه وقصر حركته، إلى الحد الذي يظلم فيه الكون الفسيح، ويقبح فيه جمال الوجود. كيف لا وهو لا ينظر إليه إلا من خلال عمر قصير، سرعان ما ينقضي، وحركة محدودة بمحدودية قدرته.
ولكن بنور الإيمان تتسع حركته إلى ما لا نهاية، حتى كأن له عمرًا معنويًا طويلًا من بداية الخليقة إلى نهاية العالم، ويتحول عالمه الضيق المحصور بين جداري الزمان والمكان إلى عالم فسيح مريح، ويجعل الأزمنة كلها زمنًا حاضرًا في قلبه بإزالته البعد بينهما، فيتحول هذا العالم الفسيح بيتًا له (2) .
(1) - المكتوبات - النورسي ص 474.
(2) - المصدر السابق ص 475.