فهرس الكتاب
أما ما يحسه المؤمن من الآلام الناتجة عن الزوال والفراق، فإن نور الإيمان يزيل ما يحصل من آلام الفراق بإظهار تجدد الأمثال. يقول النورسي:"إن التفكر بزوال اللذة يولّد آلامًا كثيرة، وبنور الإيمان تذوب تلك الآلام، محيلًا زوالها إلى ثمرات جديدة من أمثالها بلا انقطاع، هذا وإن أشد الحالات ضيقًا وهمًا لروح الإنسان ما يتولد من آلام الفراق وحسرات الوداع، فنور الإيمان قد أودع الله فيه ما يذهب تلك الآلام بدوام تجدد الأمثال والوصال، ولا ريب أن التجدد لا يبعث حزنًا أليمًا، وإنما يبعث التجدد -من زاوية الإيمان- لذة فائقة في أن الفراق إنما هو لأجل لقاء في دار أخرى بهيجة" (1) .
والإنسان يرتبط مع المخلوقات الأخرى بعلاقات كثيرة ومتعددة، تتسع وتضيق بحسب حركته، وعلى تعدد وتنوع وجهاتها. فإذا لم ينظر إليها بنور الإيمان انقلبت كلها إلى غرباء عنه، وأعداء له يضمرون الشر، فيستوحش من كل شئ، فتنعدم في داخله روح الأخوة والإخاء، وإذا نظر إليها بنور الإيمان تحولت إلى مخلوقات ذات روح وحياة، فيستأنس بها، ويتجاوب معها بلغة المحبة والفطرة، فلا وحشة ولا خوف في نظر الإيمان (2) .
فالإيمان - كما يؤكد النورسي يشيع روح الأخوة بين المؤمن ولك شئ، فلا يشتد الحرص والعداوة، والحقد والوحشية، إذ بروح الأخوة يرى أعدى أعدائه نوع أخ له، في حين يبنى الكفر الحواجز بين الكائنات، ويؤسس أجنبية وافتراقًا لا اتصال فيها بين الموجودات المحيطة به، فيعمق في نفسه الأنانية والإحساس بالغربة عن العالم، فيشتد فيه التزام النفس والاعتماد عليها (3) .
(1) - المصدر السابق ص 476.
(2) - المصدر السابق ص 477.
(3) - المثنوي العربي النوري - سعيد النورسي ص 158.