فهرس الكتاب
يتضح مما سبق أن النورسي قد قصر الرؤية بنور الإيمان للعالم وما حوى على المؤمن وحده دون الكافر، وهو أمر ربما دفع بالبعض للقول: بأنه يكفي نقل هذه الرؤية في صورة خبرية لتتحول إلى معرفة، لها من الشيوع ما لسائر المعارف، بحيث يشترك فيها الجميع مؤمنهم وكافرهم، وهو قول صحيح إذا حصرنا الرؤية في كونها معرفة عميقة بالأشياء، أو معرفة نورانية للأشياء بنسبتها الاستنادية لله تعالى، ولكنها إذا كانت رؤية بنور الإيمان فهي من حظ المؤمن وحده، لأنها عندئذ تكون رؤية بعين الفؤاد لا القلب. وهو شئ لا وجود له عند الكافر.
ومرد ذلك كلِّه إلى أن الله تعالى قد خص الفؤاد بالرؤية (1) . كما جاء في قوله تعالى: (مَا كَذَبَ الْفُؤَادُ مَا رَأَى) (2) والفؤاد يلي القلب في المقام، ومحله وسط القلب، فإذا كان القلب هو محل نور الإيمان ومحل العقل والعلم، فإنه يحتاج مع كل هذا إلى التأييد حتى تتولد الطمأنينة والسكينة، وذلك لا يتم إلا بالرؤية والمعاينة، وهي من عمل الفؤاد، ولذا يحدث الفراغ للفؤاد ولا يحدث للقلب، كما قال تعالى: (وَأَصْبَحَ فُؤَادُ أُمِّ مُوسَى فَارِغًا) (3) .
والمعنى أنها لما سمعت بوقوع موسى في يد فرعون طار عقلها، لما دهمها من الخوف، فوصف الله الفؤاد بالفراغ وفضله على القلب، إذ كان القلب يحتاج إلى الربط والفؤاد يرى ويعاين والقلب يعلم، وليس الخبر كالمعاينة.
والفؤاد وإن وجد عند كل إنسان، إلا أن عيني الفؤاد لا تنفتح للرؤية إلا حين يتحد في القلب نور الحياة مع نور الإيمان، في وحدة لا انفصام لها، حينها يحيا القلب بالله، وتنفتح عينا الفؤاد على العالم، فيتطابق العلم القلبي مع الرؤية فيصبح حتى الغيب عند المؤمنين عينًا.
(1) - الفرق بين القلب والصدر -الحكيم الترمذي ص 69،70.
(2) - النجم 11.
(3) - القصص 10.