الصفحة 593 من 3036

"إن الحيوان حينما يأتي إلى الدنيا -دار التكليف- يأتي إليها وكأنه قد اكتمل في عالم آخر، فيرسل إليها متكاملًا حسب استعداده، فيتعلم في ظرف ساعتين أو يومين أو شهرين جميع شرائط حياته وعلاقته بالكائنات الأخرى وقوانين حياته، فيتعلم العصفور أو النملة -مثلًا- القدرة الحياتية والسلوك العملي عن طريق الإلهام الرباني وهدايته، ما لا يتعلمه الإنسان إلا في عشرين سنة، وكل ذلك لأن الوظيفة الأساس للحيوان ليست التكمل والاكتمال بالتعلم، ولا الترقي بكسب العلم والمعرفة، وإنما وظيفته الأصلية هي القيام بالعمل حسب استعداده، أي العبودية الفعلية" (1) .

ومراد النورسي بالعبودية -هنا- وجود المعنى الذي أشرنا إليه فيما سبق، وبه يتحصل الغرض منه، وهي عبودية يستند فيها الحيوان إلى سلطان الله وقدرته، فيكون طوع إرادته، ويتحرك وفق أوامره، وإطلاق لفظ العبودية في حق الحيوان وغيره من المخلوقات سائغ الاستعمال، وذلك لأن العبادة هي -في جوهرها- إظهار للمعنى الذي يتشرف المخلوق لإيجاده.

لأجل هذا قال النورسي: إن الموجودات قاطبة بما فيها الجمادات تتمثل الأوامر الربانية بشوق كامل، وبنوع من اللذة عند أدائها لوظائفها الخاصة بها، فكل شئ ابتداء من النحل والنمل والطير، وانتهاء بالشمس والقمر، كل منه يسعى بلذة تامة في أداء مهماتها، أي أن اللذة كامنة في ثنايا وظائف الموجودات، حيث إنها تقوم بها على وجه الإتقان التام، رغم أنها لا تعقل ما تفعل ولا تدرك نتائج ما تعمل (2) .

والعلة في وجود اللذة يرده النورسي إلى أن المخلوقات تطلب شرفًا ومقامًا وجمالًا، بل هي تبحث عن كل ذلك وتفتش عنه، لأجل إظهار الأسماء الإلهية المتجلية فيها، لا لذاتها، لذا فهي تتنور وتترقى وتعلو أثناء امتثالها تلك الوظيفة الفطرية، حيث إنها تكون بمثابة مرايا ومعاكس لتجليات الأسماء الإلهية. فمثلًا:

(1) - الكلمات - النورسي ص 354.

(2) - اللمعات - النورسي ص188.

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت